اخبار قطر

الخليج أونلاين

سياسة

الخليج ما بعد العولمة.. من اقتصاد مفتوح للاعب محوري بالكتل التجارية

الخليج ما بعد العولمة.. من اقتصاد مفتوح للاعب محوري بالكتل التجارية

klyoum.com

سلمى حداد - الخليج أونلاين

- تفكك العولمة أعاد تعريف النفوذ التجاري، وجعل الطاقة والممرات ورأس المال أدوات توازن لا مجرد موارد اقتصادية.

- دول الخليج تحصّن موقعها عبر اتفاقيات شراكة، وبنية لوجستية، وموانئ وأسواق متعددة بدل الارتهان لمسار واحد.

- الصناديق السيادية الخليجية تحوّلت من مستثمر مالي إلى لاعب جيو-اقتصادي يؤثر في شبكات القرار العالمي.

لم تعد العولمة بصورتها التي رسخت بعد نهاية الحرب الباردة قصة أسواق مفتوحة فقط، بل أصبحت ساحة تنافس تُدار فيها التجارة بمنطق الأمن القومي، وتُختبر فيها سلاسل الإمداد تحت ضغط الجغرافيا السياسية.

وفي ظل هذه الظروف تتراجع فكرة الاقتصاد العالمي الموحّد لصالح اقتصاد أكثر تجزؤاً، تُحكمه كتل إقليمية واتفاقيات تفضيلية وممرات بحرية تُدار بحسابات المخاطر.

وهذا التحول لا يغيّر خرائط التدفقات التجارية فحسب، بل يعيد تعريف من يملك النفوذ فهو الآن من يملك الطاقة، أو يتحكم في الممرات، أو يوفّر رأس المال، أو يجمع الثلاثة معاً.

وبالنسبة لدول الخليج العربي، السؤال لم يعد: كيف تستفيد من العولمة؟ بل: كيف تتعامل مع تفككها دون أن تُحاصر في كتلة واحدة؟ وكيف تنتقل من موقع المتلقي لتقلبات النظام التجاري العالمي (أسعار طاقة، رسوم جمركية، عقوبات، واختناقات شحن) إلى موقع صانع توازن بين الشرق والغرب.

قواعد جديدة للاقتصاد الدولي

وفي مؤشر على التغير في الهيكل الاقتصادي التقليدي، تصف منظمة التجارة العالمية عام 2024 بأنه عام حافظت فيه التجارة على الاستمرارية لكن مع تغير في الهيكل، حيث نمت الخدمات بشكل أسرع من السلع، واتسع وزن الاقتصاد الرقمي.

بيان إحصائي للمنظمة نُشر في 3 فبراير 2025، أشارت فيه إلى أن تجارة الخدمات العالمية سجّلت نمواً قوياً (10% على أساس سنوي) مع طفرات في خدمات الحاسوب وتنامي دورها في اقتصادات متقدمة ونامية على حد سواء.

أما مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD)، فقال بتقريره الصادر في مارس 2025 إن التجارة العالمية بلغت مستوى قياسياً عند 33 تريليون دولار في 2024، مدفوعة بنمو تجارة الخدمات بنسبة 9%، بينما ارتفعت تجارة السلع بنسبة 2% فقط، في دلالة على أن التجارة مستمرة، لكن قواعدها تغيرت، وهشاشتها السياسية ازدادت.

وبالتوازي مع تغير قواعد التجارة يتسارع إعادة تشكيل الكتل التجارية، فالاتحاد الأوروبي يوسع شبكته من الاتفاقيات لتقليل الاعتماد على الصين والتحوّط من الحمائية الأمريكية، فيما تعيدالولايات المتحدة هندسة تحالفاتها التجارية وفق اعتبارات الأمن الصناعي وسلاسل الإمداد.

وفي تقرير لوكالة "رويترز" نُشر في 27 يناير 2026، ذكرت أن الاتحاد الأوروبي زاد اندفاعه نحو اتفاقيات كبرى لتخفيف الاعتماد على الصين وامتصاص أثر الاضطراب التجاري المرتبط بالولايات المتحدة، وأبرزها إتمام اتفاق مع الهند، إلى جانب تحركات على مسارات مكسيكو وإندونيسيا وغيرها، وإعادة إطلاق محادثات مع الإمارات أيضاً.

بهذا السياق، يقول الباحث الإماراتي جابر محمد الشعيبي، في مقال نشرته منصة "CNN" الاقتصادية في سبتمبر 2025، إن "الحديث لم يعد عن اقتصاد عالمي موحّد بقدر ما هو عن اقتصادات متجاورة أو عوالم متوازية".

والفكرة المركزية في طرح الشعيبي ليست أن العولمة انتهت، بل أن قواعدها تغيرت؛ فالتجارة باتت تُدار عبر دوائر، وكل دائرة تحاول تأمين موادها الخام وأشباه موصلاتها وغذائها وممراتها البحرية.

ومن هذا المنطلق، تُقرأ اندفاعة الخليج نحو اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة بوصفها استراتيجية تحصين وتوسيع منافذ، لا مجرد تجميل دبلوماسي.

حول ذلك، يشير الباحث الشعيبي، إلى توقيع الإمارات 27 اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة حتى يوليو 2025، دخلت 10 منها حيّز التنفيذ، ضمن هدف رفع قيمة التجارة غير النفطية إلى 4 تريليونات درهم (1.09 تريليون دولار) بحلول عام 2031، بعد أن بلغت 3 تريليونات درهم (نحو 817 مليار دولار) في عام 2024.

الخليج بعد العولمة

وما يميّز هذا النهج أنه ينقل دول الخليج من الاعتماد على سوق واحدة إلى سلة أسواق متنوعة، ومن الاتكاء على قناة عبور واحدة إلى شبكة مرنة من الممرات والخيارات التجارية.

وفي 5 فبراير 2025، نقلت وكالة أنباء الإمارات (وام) تصريحات لرئيس الوزراء حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم قال فيها إن مستهدف التجارة الخارجية لدولة الإمارات البالغ 4 تريليونات درهم سنوياً (1.09 تريليون دولار) بحلول 2031، تم تحقيق 75% منه مع نهاية عام 2024، مشيراً إلى أن اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة أسهمت في إضافة زخم ملموس للصادرات غير النفطية.

وفي الاقتصاد الجديد، لا تكفي الاتفاقيات دون قدرة تشغيلية؛ ومن هنا تُقرأ الاستثمارات السعودية في النقل والموانئ خصوصاً على البحر الأحمر، كجزء من مشروع جعل المملكة مركزاً لا نقطة عبور.

"رويترز" ذكرت أيضاً في تقرير لها في 19 مارس 2024، إن بورصة لندن للمعادن خططت لإدراج جدة كنقطة تسليم للنحاس والزنك، وهو ما يعكس محاولة دمج الساحل السعودي في شبكات تجارة المعادن العالمية.

ثم عاد المسار ليتأكد لاحقاً، حيث أفادت "رويترز" في 29 يوليو 2024 أن بورصة لندن للمعادن وافقت على إدراج جدة كموقع تسليم للنحاس والزنك.

وفي زاوية الشحن الجوي، التي أصبحت جزءاً من تنافس المراكز التجارية، أعلنت "طيران الرياض" في بيان لها الأسبوع الماضي، إطلاق ذراع الشحن "الرياض للشحن".

وأشارت إلى توظيف سعة أسطول "أكثر من 120 طائرة عريضة البدن تحت الطلب" لدعم استراتيجية الشحن.

والخطة تستهدف شبكة تتجاوز 100 وجهة بحلول العام 2030 فيما يرتبطالمشروع بطموح لوجستي أوسع، وفق الشركة.

وهذه الخطوات لا تُقرأ بمعزل عن السردية السعودية الرسمية التي تضع التحول الاقتصادي في إطار مرحلة الانتقال إلى وضع التنفيذ الكامل مع توسيع نطاق البرامج والمشاريع.

وعلى ذات المسار تسير قطر أيضاً، ففي تحليل نشرته مجموعة "أوكسفورد" للأعمال ضمن تقرير "قطر 2025"، ورد أن مشروع ميناء حمد أُقر عام 2007 بتكلفة متوقعة 27 مليار ريال قطري (7.4 مليارات دولار)، وأنه صُمم لمعالجة اختناقات سابقة وتوسيع القدرة التجارية عبر بوابة بحرية ومنطقة حرة.

ضمن المؤشرات التشغيلية الأحدث، نقلت وكالة الأنباء القطرية في 2 نوفمبر 2025 أن موانئ قطر سجلت زيادة 43% في مناولة البضائع العامة والسائبة في أكتوبر 2025 مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق.

وبالنسبة لقطر، هذا النوع من الأرقام يخدم سردية التحول إلى اقتصاد خدمات وتدفقات لا اقتصاد صادرات هيدروكربونية فقط، وهو ما يجعلها عنصراً أساسياً في الهيكل الاقتصادي العالمي الجديد.

تأثير خليجي قوي

وفي تأكيد على أن دول الخليج ستكون عنصراً أساسياً في الهيكل الاقتصادي العالمي الجديد، تقول الباحثة في جامعة أوكسفورد سارة السعيد بمقال لها نشرته في 2 يناير الجاري تحت عنوان "الخليج بعد النظام العالمي"، إن "أهمية الخليج لا تُستمد من الحجم الديمغرافي أو الامتداد الجغرافي، بل من موقعه داخل البنى التحتية التي يقوم عليها الاستقرار العالمي ومن أبرزها أسواق الطاقة، والممرات البحرية، وتدفقات رأس المال، وشبكات اللوجستيات، والهندسات الرقمية الناشئة".

السعيد تربط الطاقة مباشرة بالتموضع الاقتصادي، فحتى مع تسارع الاستثمار في الطاقة المتجددة، ما زالت الهيدروكربونات تحمل ثقلاً ينعكس على استقرار الاقتصاد العالمي.

وترى أن السعودية والإمارات تمتلكان هامش تأثير في الإمدادات لا يوازيه كثير من المنتجين.

وأوضحت أن الموانئ وشبكات الربط عبر البحر الأحمر والخليج تجعل الخليج وسيطاً قادراً على امتصاص الصدمات بدل أن يكون ممرّاً هشاً لها.

وإضافة إلى اللوجستيات والموقع الجغرافي لدول الخليج فإن القوة المالية المتمثلة بصناديق الثروة السيادية تؤثر في قطاعات تمتد من التكنولوجيا المتقدمة إلى المعادن الحيوية، وتخلق نفوذاً كبيراً يتجاوز الاصطفافات الدبلوماسية التقليدية، كما تقول الباحثة الاستراتيجية.

وتشرح أنه في هذا المنطق، رأس المال ليس فقط عائداً استثمارياً؛ بل أداة وصول إلى شبكات القرار الاقتصادي في واشنطن وبكين وأوروبا.

ووفق منظومة البيانات الدولية المستقلة(Global SWF)، تُدير مؤسسات الاستثمار المملوكة للدولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أصولاً مرشحة للنمو بأكثر من 57% خلال السنوات الخمس المقبلة، لتصل إلى نحو 8.8 تريليونات دولار، وتقودها صناديق دول الخليج.

وخلال الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي، ضخّت هذه المؤسسات 56.3 مليار دولار عبر 97 صفقة، مستحوذةً على نحو 40% من إجمالي نشاط المؤسسات السيادية عالمياً.

ولا تقتصر أهمية هذه الصناديق على حجم الأصول، بل على جغرافيتها واتجاهاتها الاستثمارية، إذ تشير بيانات "Global SWF" إلى أن مؤسسات الاستثمار المملوكة للدولة في المنطقة استثمرت نحو 1.1 تريليون دولار خارج حدودها، ما يزيد من توسع نفوذها الاقتصادي الدولي.

*المصدر: الخليج أونلاين | alkhaleejonline.net
اخبار قطر على مدار الساعة

حقوق التأليف والنشر © 2026 موقع كل يوم

عنوان: Armenia, 8041, Yerevan
Nor Nork 3st Micro-District,

هاتف:

البريد الإلكتروني: admin@klyoum.com