اليوم التالي في غزة.. بين الرؤية القطرية والعقبات الإسرائيلية
klyoum.com
يوسف حمود - الخليج أونلاين
الخليفي شدد على أن حق الفلسطينيين في أرضهم غير قابل للتفاوض، ورفض أي مخطط للتهجير القسري أو إعادة الاحتلال أو توسيع الاستيطان.
مع انطلاق أسبوع المداولات رفيع المستوى في الدورة الـ 80 للجمعية العامة للأمم المتحدة، عاد ملف "اليوم التالي" للحرب في غزة إلى الواجهة بصفته واحداً من أكثر عناوين النقاش ازدحاماً بين الوفود العربية والغربية.
وتتحرك عواصم عدة لصياغة إطار سياسي وأمني وإنساني يضع حداً لمرحلة الحرب ويفتح مساراً قابلاً للتنفيذ، وسط انقسام بين مقاربات تركز على ترتيبات أمنية وإدارية سريعة، وأخرى تشدد على أن إدارة المرحلة المقبلة يجب أن تكون بقيادة فلسطينية واضحة وبمرجعية سياسية لا تقل عن مسار يؤدي إلى حلّ الدولتين.
هذا الزخم يأتي فيما يواجه القطاع أزمة إنسانية عميقة طالت البنى الصحية والتعليمية وشبكات الخدمات، وتضغط منظمات دولية باتجاه الانتقال من إدارة الإغاثة إلى تخطيط متكامل لمرحلة التعافي المبكر ثم الإعمار، وفق ما تطالب به قطر، وتضغط من أجله في وساطتها أيضاً.
وتخشى عواصم عربية كالدوحة من أن أي صيغة تتجاوز الطرف الفلسطيني أو تؤجل البت في المسار السياسي ستنتج فراغاً أمنياً وإدارياً يعمق الكلفة البشرية ويعيد إنتاج العنف، فيما تحذر أطراف أخرى من ترتيب متسرع يفتقر إلى أدوات التنفيذ والتمويل والرقابة.
موقف قطري
في خلفية المشهد، تتصاعد مواقف سياسية إسرائيلية تعلن رفض الدولة الفلسطينية وتتحدث عن بقاء السيطرة الأمنية، مقابل تحرك عربي يرى أن أي انخراط في ترتيبات أمنية أو في تمويل الإعمار يجب أن يقترن بمسار سياسي واضح وضمن جدول زمني معقول.
بهذا السياق، طرح وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية، محمد بن عبد العزيز الخليفي، خلال اجتماع رؤساء الدول والحكومات المعني باليوم التالي وجهود تحقيق الاستقرار، مقاربة تقوم على أن قيادة مرحلة ما بعد الحرب يجب أن تكون فلسطينية وتحت رعاية السلطة الفلسطينية ووفق مبادئ الأمم المتحدة، مع مساهمة دولية داعمة من دون وصاية أو فرض.
وشدد على أن حق الفلسطينيين في أرضهم غير قابل للتفاوض، ورفض أي مخطط للتهجير القسري أو إعادة الاحتلال أو توسيع الاستيطان، وربط مستقبل غزة بمستقبل الضفة الغربية وسائر الأراضي الفلسطينية المحتلّة، بما يمنع تجزئة المسار السياسي أو تحويل غزة إلى ساحة اختبار أمني منفصلة عن إطار الحل.
وتجدد الدوحة تأكيدها على الدور الذي تلعبه كشريك إنساني وتنموي ووسيطاً قادراً على سد فجوات الثقة، لكنها تؤكد أن النجاح لا يمكن أن يتحقق بجهود منفردة، بل بمسؤولية جماعية تضع الفلسطينيين في مقعد القيادة وتستند إلى مرجعية دولية واضحة.
هذه المقاربة كما طرحها الخليفي، تجعل من اليوم التالي مساراً سياسياً وإدارياً ومالياً متكاملاً، لا مجرد ترتيبات أمنية عابرة، وتراهن على أن إشراك الفلسطينيين بصورة فعلية هو الضمانة الوحيدة لاستقرار طويل الأمد.
واعتبر أنه "لا يمكن النظر إلى مستقبل غزة بمعزل عن مستقبل الضفة الغربية وسائر الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث يواجه الشعب الفلسطيني يومياً أبشع صور القمع".
طرح سابق
لكن الأمر لا يقف عند حدود التصريحات القطرية، فالنقاش حول اليوم التالي سبق هذا الاجتماع بأسابيع وشهور، وتناولته طروحات أمريكية وأوروبية وعربية على مستويات مختلفة.
في الرؤى الأولية للموقف الأمريكي، برز اتجاه لتفادي فراغ أمني من خلال تشكيل هيئة انتقالية مدعومة إقليمياً لإدارة القطاع مؤقتاً، مع حديث عن تدريب قوات أمن فلسطينية جديدة من أفراد لا ينتمون إلى حركة "حماس" لتولي حفظ النظام بعد أي انسحاب إسرائيلي محتمل.
وسبق أن انتقدت دول عربية هذا الموقف ورأت فيه ترتيباً أمنياً وإدارياً لا يلامس جوهر القضية، لغياب مسار واضح نحو قيام دولة فلسطينية، وتحويل اليوم التالي إلى إدارة أزمة مفتوحة لا إلى حل سياسي قابل للاستدامة، وفق ما تراه قطر أيضاً.
على الضفة الإسرائيلية، يدور الهدف المعلن حول تدمير القدرات العسكرية والسياسية لحركة "حماس"، ومنعها من استعادة السيطرة، فرؤية الحكومة الحالية للاحتلال تميل إلى إبقاء النقاش حول اليوم التالي مؤجلاً، مع إصرار على سيطرة أمنية إسرائيلية كاملة ومفتوحة المدى على غزة، والسماح بإدارة مدنية محلية ضعيفة الصلاحيات.
غزة والضفة
يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي علاء عبد اللطيف، أن الرؤية القطرية لليوم التالي في غزة تستند إلى مبدأ أساسي: وضع الفلسطينيين في موقع القيادة، وعدم السماح بفرض وصاية خارجية على القطاع، مؤكداً أن هذا الطرح يمنح الدوحة موقعاً متميزاً كلاعب وسيط يسعى إلى خلق توافق دولي وإقليمي حول دور السلطة الفلسطينية، بما يعيد الاعتبار للمسار السياسي ويمنع تحويل الأزمة إلى مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة.
ويعتبر، في حديثه لـ"الخليج أونلاين"، أن قوة هذه الرؤية تكمن في "رفضها الواضح لأي مخطط للتهجير أو إعادة الاحتلال، وربطها مستقبل غزة بالضفة الغربية وسائر الأراضي الفلسطينية، وهو ما يجعلها أقرب إلى طرح عربي يربط الأمن بالسياسة، ويرفض أن تتحول غزة إلى ساحة اختبار أمني معزولة عن إطار الحل الأشمل".
غير أن التحدي يكمن- من وجهة نظره- "في مدى استعداد الأطراف الدولية والإقليمية، وفي مقدمتها إسرائيل والولايات المتحدة، لتبني مسار سياسي شامل يترجم هذه الرؤية إلى واقع، خصوصاً مع إصرار تل أبيب على مقاربة أمنية مفتوحة المدى".
إصرار فلسطيني
ويرى الكاتب والمحلل السياسي أحمد الحيلة، في حديث لـ"الخليج أونلاين"، أن اليوم التالي في قطاع غزة يرسمه عدة عوامل، منها:
- فشل أو نجاح جيش الاحتلال الإسرائيلي في تحقيق أهدافه باحتلال قطاع غزة وتهجير الشعب الفلسطيني منه، وهذا الأمر لم يستطع الاحتلال تحقيقه، ومن غير المتوقّع أن ينجح في ذلك مستقبلاً، بشهادة العديد من المراقبين، وحتى قيادة الأركان الإسرائيلية التي تشكّك في ذلك.
- تمسّك الشعب الفلسطيني بأرضه رغم الكارثة التي صنعها الاحتلال، مع قدرة المقاومة على تحويل المواجهة إلى حرب استنزاف مكلفة على جيش الاحتلال الذي خسر لحد الآن أكثر من 900 قتيل من الضباط والجنود، وإصابة أكثر من 20 ألفاً آخرين.
- إصرار الفلسطينيين بدعم عربي وإسلامي على أن يكون اليوم التالي في غزة فلسطينياً، وهذا ما تحدّثت عنه دولة قطر على لسان مسؤوليها انسجاماً مع الموقف الذي عبّرت عنه القمة العربية في القاهرة، والقمة العربية الإسلامية الأخيرة في الدوحة.
وأوضح أن تأكيد المجتمع الدولي أثناء انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال اليومين الماضيين، وقمة نيويورك بقيادة السعودية وفرنسا، على حق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، يرسّخ فكرة فلسطينية اليوم التالي في غزة، التي هي جزء أساس من الأراضي والدولة الفلسطينية.
ويرى أن الدور القطري والموقف العربي الجماعي قادر على مواجهة المخططات الإسرائيلية المتعثّرة بسبب الصمود الفلسطيني. ويساعد في ذلك حالة العزلة الدولية المتصاعدة في أرجاء العالم ضد الاحتلال الإسرائيلي، وخاصة في الدول الغربية.
وتابع قائلاً: "من الأهمية أن يترجم الموقف العربي بممارسة ضغوط مباشرة على الإدارة الأمريكية والرئيس دونالد ترامب الأقدر على إيقاف الحرب على قطاع غزة، وفي هذا السياق يمكن لقطر والدول العربية والإسلامية أن توظّف علاقاتها السياسية ولغة المصالح، لوقف التوحّش الإسرائيلي الذي بات يهدّد المنطقة برمّتها، تحت عنوان "إسرائيل الكبرى" التي تحدّث عنها مجرم الحرب بنيامين نتنياهو".
موقف عربي فلسطيني
في الموقف العربي العام، برز شرط رئيسي يتكرر على لسان أكثر من عاصمة: لا مشاركة عربية في قوة ضامنة أو في تمويل واسع للإعمار من دون مسار سياسي واضح ينتهي إلى حل الدولتين.
مقترحات عربية جرى تداولها تطرح انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً، ونشراً لقوة عربية مشتركة أو دولية بدعم عربي لمدة قصيرة ومحددة، على أن يجري تسليم سريع للسلطة الفلسطينية مسؤولية الحكم والإدارة بعد تهيئة بنيتها المؤسسية والأمنية.
ويعكس هذا الترتيب حرصاً على منع فراغ أمني، وفي الوقت نفسه تجنب وصاية طويلة تولد حساسية داخلية وتفقد الترتيبات شرعيتها.
على خط القاهرة، يظهر الموقف المصري ركناً حاسماً في معادلة ما بعد الحرب، حيث تربط أي انخراط بشرط لا يقبل التنازل: مسار سياسي واضح يقود إلى قيام دولة فلسطينية على حدود 1967 مع ضمانات دولية صارمة. بهذا المعنى، ترفض القاهرة الحلول الأمنية المنفردة، وتضغط لتكون السياسة هي الإطار الحاكم لترتيبات الأمن والإعمار والحوكمة.
أما الموقف الفلسطيني فهو متعدد الطبقات، فـ"حماس" تشترط وقفاً شاملاً لإطلاق النار وانسحاباً كاملاً وبدء الإعمار فوراً، وتصر على أن أي ترتيبات مستقبلية يجب أن تكون نابعة من إرادة فلسطينية بحتة، وتعتبر المقاومة خياراً مركزياً في معادلة ما بعد الحرب.
فصائل أخرى تتحدث عن ضرورة ترتيب بيت فلسطيني داخلي لإدارة غزة ينهي الانقسام، ويضم القوى كافة من دون إقصاء، تمهيداً لإعادة توحيد الضفة والقطاع تحت إدارة واحدة وإطار مؤسسي موحد.
وبين هذين الخطين تقف السلطة الفلسطينية أمام خيار مزدوج: استعادة شرعية إدارية وأمنية في غزة، وبناء قدرة تنفيذية ومالية كافية لتحمل أعباء مرحلة انتقالية معقدة.
مداولات نيويورك
في مداولات نيويورك، عاد اسم توني بلير إلى الواجهة عبر خطة تصور لتشكيل هيئة مؤقتة لإدارة غزة، تفوّضها الأمم المتحدة وتدعمها قوات دولية ومحلية يجري تدريبها وتجهيزها، وتعمل في إطار زمني محدد بمهام واضحة.
مؤيدو الفكرة يرون فيها جسراً إدارياً وأمنياً يمنع الانهيار ويكسب الوقت لإعادة بناء المؤسسات، فيما ينتقدها آخرون بسبب غموض تفاصيل الانسحاب الإسرائيلي الكامل واحتمال تكريس وجود أمني غير مباشر، ولأنها تقدم ترتيباً إدارياً أكثر من تقديم حل سياسي يعالج أصل النزاع.
ومن واشنطن، تتردد تسريبات عن مقترح أمريكي جديد في ظل إدارة ترامب يهدف إلى إنهاء الحرب من دون اتفاقات هشة، مع تصور لانسحاب إسرائيلي يليه تحديد جهة إدارة القطاع في اليوم التالي.
الخطوط العامة التي يروج لها داعمو الخطة تتحدث عن إعادة بناء غزة وتحويلها إلى منطقة اقتصادية وسياحية تحت إشراف أمريكي أوسع، وسط تحذيرات من أن هذه الرؤية تستخدم الإغراءات المالية على نحو يلامس فكرة التهجير، وهو ما يعد انتهاكاً للقانون الدولي وتحويل غزة إلى مشروع اقتصادي لصالح أمريكا والمستثمرين الغربيين.