اخبار سلطنة عُمان
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ١٠ كانون الثاني ٢٠٢٦
كامل جميل - الخليج أونلاين
الأكاديمي د. واثق عباس:
توجيه السلطان هيثم بن طارق يمثل تحولاً نوعياً في الفكر الاستراتيجي العُماني.
هذا التوجيه ينقل التعاطي مع الفضاء الرقمي من منطق المتابعة والمراقبة إلى منطق البحث العلمي والفهم الاجتماعي العميق.
مثَّلَ توجيه السلطان هيثم بن طارق آل سعيد للجهات الرسمية العُمانية، بدراسة المتغيرات السلوكية في المجتمع، ووضع حلول لمعالجة تأثير مواقع التواصل، خطوة شديدة الأهمية، تعكس إدراكاً عميقاً للتحديات التي يفرضها الفضاء الرقمي على النسيج الاجتماعي العُماني.
يأتي ذلك في ظل تزايد التفاعل الرقمي في الحياة اليومية، ما حوَّل منصات التواصل الاجتماعي من أدوات للتواصل والترفيه إلى قوة مؤثرة في تشكيل السلوكيات والأفكار لدى الأفراد، لا سيما الشباب.
وتزداد التحذيرات، سواء في سلطنة عُمان أو إقليمياً وحتى عالمياً، من أثر هذه المنصات في إعادة تشكيل الهوية، وبلورة القيم، وتداول الأفكار، وأحياناً نشر السلوكيات المنافية للثوابت المجتمعية.
وبحسب ما أوردت وكالة الأنباء العُمانية الثلاثاء (6 يناير 2026)جاء توجيه سلطان عُمان خلال ترؤسه اجتماع مجلس الوزراء، حيث شدد على ضرورة معالجة تأثيرات منصات التواصل الاجتماعي السلبية على سلوكيات المجتمع.
وشمل التوجيه دراسة وتشخيص المتغيرات السلوكية في المجتمع، والعمل على وضع سياسات وآليات عمل واضحة ومحوكمة لتعزيز القيم المجتمعية والسلوكيات الإيجابية.
تأتي التوجيهات في إطار اهتمام السلطان هيثم بالشأن الاجتماعي والثقافي، وتعزيز قوة المجتمع العُماني وحماية شرائحه، وفي ضوء التأثيرات الضارة للتطورات التقنية المعاصرة، ووسائل التواصل الحديثة، على سلوكيات الشباب، وفق نفس المصدر.
تحمل هذه التوجيهات في جوهرها اعترافاً بأن التأثير الرقمي لم يعد شأناً فردياً أو تربوياً فقط، بل قضية وطنية تستوجب تدخل أعلى السلطة في الدولة، لضمان أن تكنولوجيا العصر تخدم تطور المجتمع، لا أن تعصف بثوابته وهويته.
ومجتمع السلطنة لا ينفك يرتبط بالمجتمع في بقية دول الخليج، حيث ينصهر الجميع في بوتقة التقاليد والعادات والموروث العربي الواحد الذي يعدّ امتداداً لمجتمع الجزيرة العربية.
وعليه هنا يتجلى الحرص الحكومي سواء في السلطنة أو دول الخليج الأخرى، من تأثر هذه الثقافات والعادات الموروثة، التي جعلت مجتمعات الخليج تتميز بطباعها العربية الأصيلة متمثلة بالصدق والفروسية والمروءة والشجاعة والكرم وإغاثة الملهوف وغيرها من القيم العليا.
لذلك يعكس دخول صناع القرار في سلطنة عُمان على خط القيم والسلوك وعياً مبكراً بأن التغيرات السلوكية، إذا تُركت دون تشخيص أو إدارة، قد تتحول من ظواهر فردية إلى أنماط عامة يصعب احتواؤها لاحقاً.
وتشير التوجيهات السلطانية إلى إدراك أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات تواصل، بل منصات تؤثر في أنماط التفكير، واللغة، والعلاقات الاجتماعية، ونظرة الأفراد إلى الذات والآخر.
يرى المتخصص في القضايا الاجتماعية الأكاديمي د. واثق عباس أن توجيه السلطان هيثم بن طارق آل سعيد للجهات الرسمية بدراسة المتغيرات السلوكية المرتبطة بمنصات التواصل الاجتماعي يمثل تحولاً نوعياً في الفكر الاستراتيجي العُماني.
وفي حديثه لـ'الخليج أونلاين' أكد عباس أن هذا التوجيه ينقل التعاطي مع الفضاء الرقمي من منطق المتابعة والمراقبة إلى منطق البحث العلمي والفهم الاجتماعي العميق.
ولمزيد من التوضيح قال عباس:
التوجيه يعكس حرصاً واعياً على حماية القيم والهوية العُمانية في مواجهة تدفّق ثقافات رقمية عابرة للحدود.
المقاربة العُمانية تنطلق من 'قلق إيجابي' على النسيج القيمي، وتسعى إلى تحقيق توازن بين متطلبات المعاصرة وجذور الأصالة.
ظواهر مثل التنمّر الرقمي، والإدمان الإلكتروني، والعزلة الاجتماعية، وملاحقة 'الترند' لم تعد حالات فردية، بل مؤشرات تؤثر في الصحة النفسية والاستقرار المجتمعي.
منصات التواصل تحولت إلى مختبر اجتماعي واسع، يُنتج أنماط تفكير جماعية وقِيماً استهلاكية جديدة.
السلوك الرقمي الفردي، كالإعجاب أو المتابعة، بات يحمل أبعاداً وطنية حين يسهم في تشكيل وعي جمعي واتجاهات عامة.
انتشار الشائعات الرقمية يشكل تهديداً محتملاً للسلم الأهلي والثقة بالمؤسسات، ما يربط السلوك الرقمي بالأمن المجتمعي.
التوجيه العُماني يقرّ بأن صناعة المحتوى ليست ترفيهاً فقط، بل اقتصاداً وقوة ناعمة تُسهم في رسم صورة الدولة عالمياً.
السيادة الرقمية تُعد امتداداً للسيادة الوطنية، والتوجيه يعكس رفض ترك المجتمع خاضعاً لخوارزميات الشركات العالمية.
الهدف هو امتلاك زمام المبادرة في توجيه السلوك الرقمي نحو البناء والتنمية والاستقرار.
في شأن متصل يقول عباس إن القيادة الحكيمة، هي التي تدرس التحولات لتقودها، لا لتصطدم بها، داعياً إلى ترجمة التوجيه عبر آليات عملية، تشمل تعزيز المواطنة الرقمية في التعليم.
واقترح إنشاء مرصد وطني للسلوك الرقمي لتحليل الظواهر وتقديم إرشادات وقائية، مؤكداً أهمية تفعيل دور المؤثرين الإيجابيين ليكونوا أدوات وطنية لنشر السلوك القويم.





















