المغرب بعد 1956... أحزاب على الهامش
klyoum.com
احتاج النظام في بعض المراحل إلى إحداث توازن لصالحه سواء لضبط نتائج الانتخابات أو للحد من قوة المعارضة اليسارية
دخل النظام المغربي وأحزاب الحركة الوطنية عقب الاستقلال عام 1956 في صراع على مجال الحكم، حاولت تلك الأحزاب جاهدة تقليص اختصاصات الملك لكي تحتفظ بأكبر حيز ممكن من المجال السياسي، لكن النظام تمكن عبر مراحل من حسم الصراع لصالحه، وذلك بالعمل على إضعاف الأحزاب من الداخل، ومن ثم الهيمنة على المجال السياسي.
وجرى إنشاء ودعم ما عرف بـ"الأحزاب الإدارية"، التي اعتمدت، بدرجات متفاوتة، على أعيان محليين وشخصيات مرتبطة بأجهزة الدولة ورجال أعمال وشخصيات سياسية موالية للنظام، وقد دخلت هذه الأحزاب في منافسة مع أحزاب الحركة الوطنية، وأسهم حضورها في الانتخابات والمؤسسات المنتخبة في إعادة تشكيل المشهد الحزبي بما ينسجم، في مراحل مختلفة، مع توجهات السلطة.
وبذلك، انتقل الصراع السياسي تدريجاً من محاولة أحزاب الحركة الوطنية توسيع مجال نفوذها وممارسة السلطة إلى وضع أصبحت فيه المؤسسة الملكية صاحبة الدور المركزي في تحديد قواعد التنافس السياسي وحدود الفعل الحزبي، بينما تحولت الأحزاب الإدارية إلى أحد مكونات هذا المشهد السياسي المتغير.
تعد الحركة الوطنية (المكونة من شخصيات سياسية عملت على مناهضة الاحتلال) النواة الأولى لإنشاء الأحزاب في المغرب، فقد أسس رموزها (أحمد بلافريج وعلال الفاسي ومحمد الحسن الوزاني) "كتلة العمل الوطن" التي تعد أول تنظيم سياسي في تاريخ البلاد عام 1934، وانبثقت من تلك الحركة أحزاب عدة أهمها "حزب الاستقلال" (المحافظ) الذي أسسه أحمد بلافريج في أواخر عام 1943، وحزب "الحركة الشعبية" (يمين الوسط) عام 1957، ثم "حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" (اليساري) في أواخر عام 1959، إضافة إلى "حزب التقدم والاشتراكية" الذي اعترفت به السلطة عام 1974، وهو امتداد للحزب الشيوعي المغربي المحظور، من جانبه تمكن التيار الإسلامي، بعد عقود من مطاردة السلطة له، من تأسيس "حزب العدالة والتنمية" عام 1998.
يوضح أكاديميون أن علاقة الأحزاب بالسلطة شهدت مداً وجزراً بالنظر إلى الوضعية السياسية للبلاد، إذ احتاج النظام في بعض المراحل إلى إحداث توازن لصالحه، سواء لضبط نتائج الانتخابات، أو للحد من قوة المعارضة اليسارية، أو لمنع تنامي التيار الإسلامي، يشير الباحث في الشؤون السياسية والحركات الإسلامية، محمد ضريف، في كتابه "الأحزاب السياسية المغربية من سياق المواجهة إلى سياق التوافق"، إلى أن الفترة الممتدة بين عامي 1956 و1959 تميزت بالخلاف على تحديد طبيعة المنظومة الحزبية، حين ظهر الصراع في تلك الفترة بين القصر و"حزب الاستقلال"، الذي كان يشكل حينذاك أهم تنظيم سياسي في البلاد، إذ تبنى استراتيجية إقامة نظام الحزب الوحيد، ومن ثم القضاء على الأحزاب الأخرى عبر الدمج أو المحاصرة، موضحاً أن القصر كان يتجه إلى اعتماد نظام التعددية الحزبية، وفي ذلك الاتجاه أنشئ حزب "الحركة الشعبية" المعارض لتوجهات "حزب الاستقلال".
ويوضح الكاتب أن المغرب شهد خلال الفترة ما بين 1960 و1973 سياقين: ديمقراطي وأيديولوجي، الأول ما بين عامي 1960 و1965، لكن إثر إعلان حال الاستثناء (حل البرلمان وإقرار الأحكام العرفية) في يونيو (حزيران) 1965 حتى نهاية 1973، فرض السياق الأيديولوجي نفسه على المشهد الحزبي عبر بروز تيار اليسار الجديد، ومن ثم أنشئ حزب "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" عام 1975، إثر انشقاق جانب من مكونات "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية". وبحسب الباحث المغربي شهدت الفترة من 1974 إلى 1980 سعي القصر والأحزاب الوطنية إلى تجاوز الصراع، حين عملت الأحزاب على تجاوز ثقافة مواجهة السلطة التي نهجتها منذ الاستقلال، ومن ناحيته قام النظام بتجاوز ثقافة الإقصاء لمن لا يشاركه قناعاته، وذلك من أجل تحقيق إجماع وطني لاستكمال الوحدة الترابية واسترجاع الأقاليم الصحراوية الجنوبية التي كانت تحت الاحتلال الإسباني، وخلال التسعينيات توصلت الأحزاب والنظام إلى آلية "التناوب التوافقي" التي يسرت وصول المعارضة للحكم.
وبموازاة ذلك، قام النظام بإنشاء أحزاب موالية له عبر مراحل في ظروف مختلفة، بدأ ذلك بمجرد الاستقلال، حين أوعز إلى وزير الداخلية حينذاك، أحمد رضا أكديرة بإنشاء "جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (FDIC) في مارس (آذار) 1963، بهدف دعم توجهات السلطة خلال الاستعداد لانتخاب أول برلمان في تاريخ البلاد، ومن ثم مواجهة المد اليساري المعارض. وفي مايو (أيار) من العام ذاته فاز الحزب متصدراً الانتخابات التشريعية بحصوله على 69 مقعداً من أصل 144. وعام 1978 أسس رئيس الحكومة آنذاك، صهر الملك الراحل الحسن الثاني، أحمد عصمان، "حزب التجمع الوطني للأحرار"، بعد الانتخابات التشريعية لعام 1977 التي فاز فيها عدد كبير من المرشحين المستقلين، من الأعيان ورجال الأعمال، بحصولهم على 144 مقعداً من أصل 267. وتحضيراً للانتخابات التشريعية لعام 1984، جرى إنشاء "حزب الاتحاد الدستوري" قبل عام من ذلك، وبهدف التصدي للمد الإسلامي مع مطلع الألفية الثالثة، قام فؤاد عالي الهمة، الذي يعمل حالياً مستشاراً للعاهل المغربي محمد السادس، بتأسيس "حزب الأصالة والمعاصرة"، الذي حل في المرتبة الأولى في انتخابات 2026، ومن ثم سيقود الائتلاف الحكومي المقبل، بعد خمسة أعوام على قيادة "حزب التجمع الوطني للأحرار" الحكومة.
يوضح الباحث في علم السياسة، العربي أيعيش، أن السلطة أنشأت تلك الأحزاب للدفاع عن مصالحها من داخل المسار القانوني والسياسات العامة، وذلك في مواجهة الأحزاب ذات الامتداد الجماهيري، بدليل سيطرتها على جميع الاستحقاقات طوال 30 عاماً (1963 –1993)، مشيراً إلى أنه جراء مرحلة التوافق أصبح جانب من أحزاب الكتلة ("الاتحاد الاشتراكي" و"حزب الاستقلال" و"حزب التقدم والاشتراكية") موالياً النظام، ومن ثم لم تعد السلطة في تلك الفترة في حاجة إلى الأحزاب الإدارية، لكن ومع تمدد "حزب العدالة والتنمية"، وعجز الأحزاب الأخرى التي أنهكها التدبير الحكومي عن وقف هذا الزحف، عادت السلطة إلى عادتها، عبر تأسيس حزب إداري (الأصالة والمعاصرة) لكن بتركيبة مختلفة ومتناقضة، تضم الليبراليين واليساريين المتطرفين، ونخباً صحراوية وريفية بقيادة صديق الملك.
يرى أستاذ علم السياسة، عبدالمنعم لزعر، أنه من خلال دراسة الخطاب السياسي ومضمون البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية، وطبيعة الاستراتيجيات المعتمدة في تدبير اللحظات السياسية والانتخابية المختلفة، في الأقل منذ اعتماد دستور 2011، يمكن القول إن فرضية التمايز بين الأحزاب التقليدية المنبثقة عن الكتلة والأحزاب الإدارية لم تعد صالحة للتحليل، ويمكن تعويضها بفرضية التمايز بين "حزب العدالة والتنمية" وبقية الأحزاب السياسية بخاصة الأحزاب الإدارية، لذلك يمكن القول إن ما ينظر إليه كتمايز بين الأحزاب التقليدية والأحزاب الإدارية هو مجرد تمايز مصطنع، وما يعزز الجدوى التحليلية لهذه الفرضية هو أن الانتخابات التشريعية الحالية أفرزت تمايزاً بين الأحزاب التي اختارت أن تكون في صف المعارضة، بل وحتى القطيعة مع "حزب الأصالة والمعاصرة "(حزب العدالة والتنمية وتحالف اليسار)، وبين الأحزاب السياسية التي اختارت الاستثمار في فرصة المشاركة (هذه الأحزاب هي خليط من الأحزاب الإدارية والأحزاب المنبثقة من الحركة الوطنية)، موضحاً أنه بدءاً من الانتخابات التشريعية لعام 2011 تشكلت النواة الأولى للتنافس السياسي والانتخابي بين "حزب العدالة والتنمية" وبقية الأحزاب السياسية، التي كانت تحاول الحد من التمدد التمثيلي والسياسي للحزب، في كل محطة انتخابية تشريعية كان يقود التكتل المضاد لـ"حزب العدالة والتنمية" حزب إداري (حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة)، في حين توزعت خيارات الأحزاب المنبثقة عن الحركة الوطنية بين التحالف مع "حزب العدالة والتنمية" (حزب التقدم والاشتراكية على سبيل المثال)، أو التحالف مع الأحزاب الإدارية (حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب الاستقلال).
ويضيف الباحث في علم السياسة أنه في المقابل، فإن نموذج الأحزاب السياسية الإدارية ارتبطت نشأته، في نظر كثير من الباحثين، في مرحلة أولى بمحاصرة المد التمثيلي والسياسي المتنامي لأحزاب الحركة الوطنية، وفي المرحلة الثانية بمحاصرة المد السياسي والتمثيلي لـ"حزب العدالة والتنمية". ومن أجل الاضطلاع بهذا الدور فهي تحسن توظيف الرساميل المادية والنوعية (المال السياسي والنخب النوعية والسمعة والنفوذ والدعم الإعلامي والقرب من السلطة...)، لذلك تمكنت هذه الأحزاب من الوقوف نداً لند ضد "حزب العدالة والتنمية"، وتمكنت من هزيمته في مناسبتين خلال الانتخابات التشريعية 2021 عبر "حزب التجمع الوطني للأحرار"، وخلال الانتخابات التشريعية لعام 2026 عبر "حزب الأصالة والمعاصرة"، وبدوره تمكن "الحزب الإسلامي" من تكبيد هذين الحزبين هزيمتين كذلك، في حق "حزب التجمع الوطني للأحرار" خلال الانتخابات التشريعية لعام 2011، وعبر "حزب الأصالة والمعاصرة" خلال انتخابات عام 2016.