الطلاق في ليبيا... ظاهرة تتمدد وعائلات تتشتت
klyoum.com
أخر اخبار ليبيا:
جلسة تشاورية للنواب في بنغازي في غياب رئاسة المجلستعد بنغازي من المدن التي سجلت ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الانفصال خلال الأعوام الأخيرة
لم يعد الطلاق في ليبيا كما كان الحال قبل أعوام، مجرد حالات فردية تنتهي بصمت خلف أبواب المحاكم، بل تظهر الأرقام تحوله خلال الأعوام الأخيرة إلى ظاهرة اجتماعية متنامية تعكس تحولات عميقة في بنية الأسرة الليبية تشكل تهديداً اجتماعياً خطيراً.
فلماذا تتزايد حالات الطلاق في ليبيا بهذا الشكل؟ وما الذي تغير داخل الأسرة الليبية؟ وهل نحن أمام أزمة اجتماعية تتسع باضطراد أم ظاهرة طارئة مرتبطة بظروف معينة اجتماعية واقتصادية؟
تظهر السجلات المدنية في ليبيا وإحصاءات المحاكم أرقاماً صادمة تبين أن أكثر من نصف الزيجات في بعض المدن الليبية باتت تنتهي بالطلاق. وهو رقم صادم لم يعد استثناءً، بل بات مؤشراً متكرراً في إحصاءات الفترة الأخيرة، يضع البلاد بالمرتبة الأولى في أعلى معدلات الطلاق بالمنطقة، وسط تصاعد ملحوظ في حالات الانفصال، بخاصة خلال الأعوام أو الأشهر الأولى من الزواج.
هذا الارتفاع اللافت لا يعكس مجرد خلافات أسرية عابرة، بل يكشف عن تحولات عميقة يعيشها المجتمع الليبي، تمتد من الضغوط الاقتصادية إلى تغير أنماط الحياة والعلاقات. وبين هذه الأرقام تتشكل قصص إنسانية صامتة يدفع ثمنها الأزواج والأطفال على حد سواء، تحت وطأة ضغوط اقتصادية متزايدة وتغيرات اجتماعية متسارعة، لتطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الاستقرار الأسري والاجتماعي في البلاد.
تقول الباحثة الاجتماعية حنان الترهوني إن معدلات الطلاق المرتفعة تضعه كأبرز التحديات الاجتماعية التي تواجه المجتمع، بعد تسجيل ارتفاع ملحوظ في عدد حالات الانفصال بين الأزواج، وما لها من تأثير لا يخفى على الاستقرار الأسري والنسيج الاجتماعي.
ووفق آخر تقارير إحصائي موثق من موقع "داتا بانداز" Data) (Pandas هو منصة إحصائية متخصصة في جمع وتحليل البيانات العالمية، اشتهرت بتقاريرها الدقيقة حول معدلات الطلاق وتصنيفاته في الدول العربية والعالم، بلغ معدل الطلاق في ليبيا نحو 2.5 حالة لكل ألف من السكان، وهو الأعلى بين الدول العربية. ويرى متخصصون أن هذه النسبة المرتفعة تعكس تأثير الضغوط الاقتصادية والتحولات الاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال الأعوام الماضية.
وتؤيد البيانات المتاحة من الإحصاءات الحيوية في ليبيا هذه الأرقام التي تظهر ارتفاعاً مستمراً في معدلات الطلاق خلال العقد الأخير. فقد ارتفعت معدلات الطلاق من 0.4 في المئة من السكان عام 2012 إلى نحو 0.9 عام 2022 وفق البيانات الرسمية المنشورة ضمن سلسلة الإحصائية الحيوية.
كذلك تشير تقديرات محلية ودراسات اجتماعية إلى أن عدد حالات الطلاق المسجلة في بعض المدن الليبية بات يقترب من نصف عدد عقود الزواج المسجلة سنوياً، وهو مؤشر مقلق إلى مستوى الاستقرار الأسري والاجتماعي.
تعد بنغازي من المدن التي سجلت ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الطلاق خلال الأعوام الأخيرة. فوفق بيانات السجل المدني، سجلت بنغازي 3293 حالة طلاق في عام 2023 وهو ما يعادل 51 في المئة من عدد عقود الزواج المسجلة في العام ذاته، بينما سجلت المدينة 3874 حالة طلاق في عام 2024 بنسبة وصلت إلى 46 في المئة من عدد الزيجات.
أيضاً تشير الإحصاءات ذاتها إلى أن نحو 25 ألف حالة طلاق سجلت في بنغازي بين عامي 2017 و2023، وهو رقم يمثل نحو 39 في المئة من إجمالي الزيجات خلال تلك الفترة.
وتعكس هذه الأرقام المخيفة بلا شك تحولات اجتماعية عميقة في بنية الأسرة الليبية.
لا تقتصر ظاهرة ارتفاع معدلات الطلاق على المدن الكبرى، مثل بنغازي وطرابلس فقط، إذ تشير تقارير حقوقية إلى ارتفاع ملحوظ في حالات الطلاق في مناطق الجنوب الليبي خلال الفترة بين 2021 و2024، بخاصة بين الزيجات المبكرة.
وتشير هذه التقارير إلى تنوع أشكال الطلاق بين حالات توافقية وأخرى نتيجة نزاعات أسرية حادة.
ترى الباحثة الاجتماعية حنان الترهوني أن ارتفاع معدلات الطلاق في ليبيا يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة ومعدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للأسر الشابة أدى إلى زيادة الخلافات داخل الأسرة.
وأضافت أن "الزواج في سن صغيرة يزيد احتمال الطلاق بسبب ضعف الخبرة في إدارة الحياة الزوجية وتغير أنماط الحياة وارتفاع سقف التوقعات بين الزوجين".
ويربط بعض الباحثين بين تنامي ظاهرة الطلاق في الأعوام الماضية وبين قرار حكومي غير مدروس بإنشاء صندوق دعم الزواج في عام 2021، الذي تقرر بموجبه مبلغ وقدره 40 ألف دينار (8.8 ألاف دولار) للمقبلين على الزواج تصرف فور عقد القران مباشرة. في خطوة كانت تستهدف بحسب قرار إنشاء الصندوق تشجيع الشباب على الزواج وتخفيف الأعباء المالية عنهم، ولكنها جاءت بنتائج عكسية تماماً.
وتشير الباحثة حنان الترهوني إلى أن "ما حدث حقيقة هو أن كثيراً من الشباب لجأ إلى بحث مستعجل عن شريكة أو شريك زواج للحصول على الأموال، إما بنية الطلاق بعدها أو لأسباب أخرى، لكن النتيجة في الغالب كانت واحدة وقوع الطلاق بعد الزواج بفترة قصيرة، بسبب الاستعجال وسوء الاختيار وعدم التوافق".
لا تقتصر تداعيات الطلاق على الزوجين فقط، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله، ومن أبرز الآثار زيادة المشكلات النفسية لدى الأطفال وارتفاع النزاعات القضائية المتعلقة بالحضانة والنفقة واتساع ظاهرة الأسر المعيلة وتفكك الروابط الاجتماعية داخل المجتمع، حسبما يرى أستاذ الاجتماع أسامة العمروني.
ويدعو العمروني إلى مواجهة هذا التصاعد، باتخاذ إجراءات عملية للحد من الظاهرة، من بينها إدخال برامج التأهيل قبل الزواج وتعزيز دور مكاتب الإصلاح الأسري وإطلاق حملات توعية اجتماعية للشباب وتحسين الوضع الاقتصادي للأسر الشابة.
أيضاً يطالب بإنشاء مراكز إرشاد أسري تقدم خدمات الاستشارة قبل الزواج وبعده، فالأسرة الليبية التقليدية كانت في الماضي أكثر تماسكاً بسبب قوة الروابط العائلية والضغوط الاجتماعية التي كانت تحد من الانفصال، لكن هذه المعادلة بدأت تتغير مع تغير أنماط الحياة.
كذلك يدعو العمروني إلى ضرورة تحسين الظروف الاقتصادية والمعيشية التي باتت سبباً لبروز ظواهر طارئة خطيرة على المجتمع الليبي، مثل الطلاق وارتفاع معدلات الجريمة والإدمان، وكلها ترتبط ببعضها. فالظروف الاقتصادية تلعب دوراً مهماً في ارتفاع حالات الطلاق، بخاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية لدى كثير من الأسر.
ويتابع الشباب الليبي الذي يواجه صعوبات في الحصول على عمل مستقر، قائلاً إنه يجد نفسه أحياناً غير قادر على تحمل أعباء الحياة الزوجية.
يربط العمروني أيضاً بين تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وزيادة الخلافات الزوجية في الأعوام الأخيرة، لا كسبب رئيس، بل كسبب من الأسباب التي أسهمت في ارتفاع حالات الطلاق. فالمقارنات المستمرة مع حياة الآخرين، إضافة إلى قضايا الغيرة والخصوصية الرقمية، أصبحت من بين الأسباب التي تؤدي إلى تفاقم المشكلات داخل الأسرة، كذلك أسهمت هذه المنصات في تغيير تصورات الشباب عن الزواج والعلاقات الأسرية.
ويختم بأن الأطفال هم المتضرر الأكبر من وقوع الطلاق بين الأبوين عادة، لأن الأطفال الذين يعيشون تجربة الطلاق قد يواجهون تحديات نفسية واجتماعية، مثل الشعور بعدم الاستقرار أو القلق.