إعدامات بنغازي: تحول في سياسة ليبيا أم استثناء؟
klyoum.com
أخر اخبار ليبيا:
حماد يصدر قرارا بإنشاء مركز الإرادة لعلاج الإدمان في بنغازيمخاوف من استغلالها ضد الخصوم السياسيين
طيف عقوبة الإعدام يحط برحاله في ليبيا للمرة الأولى منذ سقوط نظام الرئيس الراحل عمر القذافي عام 2011، وذلك بعد إعلان السلطات العسكرية في شرق ليبيا التابعة لقائد الجيش الليبي المشير خلفية حفتر تنفيذها يوم الإثنين الماضي حكم الإعدام في حق 10 مدانين بجرائم إرهابية وقضايا قتل وذبح في بنغازي و درنة شرق ليبيا وعدد من المناطق الأخرى، فيما تحدثت مصادر أخرى عن تحيين لقائمة عقوبة الإعدام شمل 14 مداناً بجرائم إرهابية وجنائية.
تطورات أثارت جدلاً بين من يراها خطوة تأتي لإنصاف ضحايا الإرهاب، ومن يصنفها كتجاوز للمحاكمة العادلة، إذ رحب أهالي ضحايا الإرهاب في درنة وبنغازي بها، فيما اعترضت عليها المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا، مطالبة بفتح تحقيق عاجل ومستقل وشامل في جميع مراحل الإجراءات التي سبقت التنفيذ، والتحقق من استيفاء ضمانات المحاكمة العادلة.
منظمة رصد الجرائم في ليبيا من جانبها طالبت بالتحقيق في ملابسات المحاكمات وما رافقها من انتهاكات محتملة لضمانات العدالة، ونادى المجلس الأعلى للدولة بالكشف عن الأسماء الكاملة وأرقام القضايا ومراحل التقاضي التي استندت إليها تنفيذ أحكام الإعدام.
مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من جهتها قالت في بيان لها، إنها "تشعر بالصدمة إزاء الإعدام الجماعي لـ11 رجلاً في شرق ليبيا بعد محاكمة معيبة أمام محكمة عسكرية"، وتابعت أن عمليات الإعدام هذه هي الأولى من نوعها منذ 15 عاماً وتمثل انتكاسة خطرة يجب وضع حد لها، مضيفة أن "عقوبة الإعدام تتعارض مع الحق في الحياة وتزيد من خطر إعدام الأبرياء".
وتعد عقوبة الإعدام في ليبيا، عقوبة مقننة في التشريعات الليبية منذ صدور قانون العقوبات الليبي عام 1954، فبالعودة لتاريخ البلاد ضمن هذا المجال تم تنفيذ أحكام الإعدام في فترة حكم القذافي التي امتدت لأربعة عقود على غرار إعدام مهندس الطيران الصادق حامد الشويهدي في شهر رمضان عام 1984، إذ تم بث الإعدام على الهواء مباشرة، إضافة إلى إعدام الطلبة في ليبيا يوم السابع من أبريل (نيسان) 1976، حين أقدم نظام القذافي على شنق عدد من الطلاب والمعارضين علناً داخل جامعتي طرابلس وبنغازي.
وتوقفت أحكام الإعدام في المرحلة الانتقالية بعد سقوط نظام القذافي عام 2011، على رغم استمرار المحاكم المدنية والعسكرية في إصدار مئات الأحكام من دون تنفيذها قانونياً.
وعاد حكم الإعدام لصدارة المشهد الليبي في أغسطس (آب) الجاري، إثر إعلان السلطات القضائية والعسكرية في شرق ليبيا تنفيذ أحكام إعدام في حق مدانين في قضايا إرهابية وجنائية، بعد فترة تجميد طويلة لأحكام الإرهاب، ناهزت 13 عاماً.
ويملك المصادقة على حكم الإعدام الصادر عن المحكمة العسكرية العليا رئيس الدولة الليبية والقائد الأعلى للجيش الليبي، المتمثل حالياً في المجلس الرئاسي بموجب القانون رقم 11 لعام 2012.
وتطرح إعدامات بنغازي سؤالاً يتجاوز القضايا التي صدرت فيها الأحكام، إلى أسئلة حول ما إذا كانت ليبيا أمام تحول في سياسة تنفيذ عقوبة الإعدام، أم هي على على وقع إجراء استثنائي فرضته طبيعة قضايا الإرهاب والاغتيالات؟
وفي تعليقه على هذه الواقعة يقول رئيس الرابطة الليبية لضحايا الإرهاب عبدالله الغرياني، إنه يرحب بهذه الخطوة باعتبارها مسار من مسارات العدالة الانتقالية المبنية على مراحل عدة، من ضمنها المحاسبة وجبر الضرر وغيرها من النقاط.
ويؤكد في تصريح خاص لموقع "اندبندنت عربية" أن هذه المرحلة تعرف بتنفيذ الأحكام، وهي خطوة جيدة، مستدركاً أن رجال القانون هم من يمارسون نقدهم لهذا الحكم، مطالباً بأن تكون هذه العملية قانونية حتى لا يقع الاعتداء على الآخرين كما اعتدى عليهم، وفق وصفه.
وعلاقة بمدى تحقيق هذه الأحكام العدالة لضحايا الإرهاب وعائلاتهم، يقول الغرياني إن العدالة بالنسبة إليهم كضحايا مدنيين لم يرفعوا السلاح وتم الاعتداء عليهم بناء على مواقفهم السياسية والمدنية تتجاوز عقوبة الإعدام، مشدداً أن الرابطة ترفض تنفيذ أي حكم خارج الأطر القانونية.
ويطالب الدولة الليبية بتوفير غطاء قانوني لضحايا الإرهاب باعتبار أنها لا تعترف بهم إلى حد الآن، منوهاً أنهم أمام استحقاقات عدة، اقتصادية وصحية واجتماعية، فهناك أسر ومبتوري أطراف من دون موارد رزق.
ويقول المتخصص بالشؤون السياسية والأمنية فيصل الشريف إن تنفيذ أحكام الإعدام غير دستوري، فمحاكمة مدنيين أمام محكمة عسكرية باطل بحكم صادر عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا باعتبار القانون رقم 4 لعام 2017 غير دستوري، أما قانونياً فيرى الشريف أن من يملك المصادقة على حكم الإعدام الصادر عن المحكمة العسكرية العليا هو رئيس الدولة الليبية والقائد الأعلى للجيش الليبي، وهو المجلس الرئاسي بموجب القانون رقم 11 لعام 2012، والمجلس الرئاسي لم يصادق على حكم الإعدام، وفق تأكيده.
ويصف المحلل السياسي محمد بويصير تطبيق أحكام الإعدام بـ"جريمة القتل العمد مع سابق الإصرار والترصد"، وهي لا تسقط بالتقادم، وعقابها الإعدام بحسب الماده 386 من قانون الجنايات الليبي.
وعلاقة بمدى تمثيل إعدامات بنغازي تحولاً في تطبيق عقوبة الإعدام في ليبيا، أم أنها تأتي في إطار استثنائي مرتبط بطبيعة الجرائم التي صدرت فيها الأحكام، تؤكد أستاذة القانون الجنائي في قسم القانون بجامعة بنغازي والباحثة الرئيسة في مشروع تيسر العدالة في ليبيا جازية شعيتير أن الأمر متوافق مع القوانين والأحكام القضائية الصادرة، منوهة بأن عقوبة الإعدام لن تشهد أي تحول في ليبيا، لأنها موجودة ومعروفة في البلد وفق قانون العقوبات العام الصادر عام 1953، الذي يحتوي على كثير من الأحكام المتصلة بعدد من الجرائم التي تصل عقوبتها إلى الإعدام، وأهمها جرائم أمن الدولة.
وتقول "صحيح إن قانون الإرهاب رقم 3 لعام 2014، لم ينص على عقوبة الإعدام، ولكنه نص صراحة في إحدى مواده على أن تطبيق أحكام هذا القانون لا تخل بأية عقوبة أشد منصوص عليها في قانون العقوبات العام أو أي قوانين عقابية خاصة".
وبخصوص الإطار الاستثنائي المرتبط بطبيعة الجرائم التي صدرت فيها الأحكام القضائية ترى شعيتير أنها جرائم أمن دولة وجرائم الإرهاب من بينها، فحين يطبق عليها قانون الإرهاب ويحيل بعد ذلك إلى أشد عقوبة منصوص عليها نجد جرائم أمن الدولة وغالب جرائم الإرهاب هي جرائم أمن الدولة عقوبتها الإعدام.
وتتابع المتخصصة بالقانون الجنائي أن الضمانات التي يفرضها القانون الجنائي ومعايير المحاكمة العادلة منصوص عليها أيضاً منذ 1953، وإنهاء للجدل تقول إن القضاء العسكري ليس قضاء استثنائياً إنما هو قضاء خاص بفئة العسكريين، وأيضاً ينظر في بعض الفئات الأخرى من بينهم المدنيين المعينين بالقانون نفسه، وهذه المعايير الموجودة في القضاء وفي القانون الليبي المدني والعسكري متوافقة مع هذه الأحكام، لأن القوانين الليبية وفق آخر تحديث لها في عام 2017 أعطت صلاحية النظر في قضايا الإرهاب للمحكام العسكرية، طبقاً لقانون الإجراءات العسكرية، بما في ذلك تمكين حق الدفاع، بما فيها الانتظار إلى أن يصبح الحكم نهائياً وتصادق عليه الجهة المختصة بالتصديق، وتؤكد أنه وفقاً للقوانين المعترف بها من البرلمان ومن المحكمة الدستورية الناشئة حديثاً، فإن حكم الإعدام متوافق مع القوانين والأحكام القضائية الصادرة في الدولة الليبية.
وفي الصدد يقول المتخصص بالعلاقات الدولية خالد الحجازي إنه يمكن قراءة إعدامات بنغازي باعتبارها رسالة مباشرة وحازمة إلى الجماعات المتطرفة والخلايا المسلحة وشبكات الاغتيالات، مفادها بأن الدولة لن تتسامح معهم، ومن تثبت مسؤوليته أمام القضاء سيدفع ثمن جريمته، في بلد عانى لسنوات الاغتيالات والتفجيرات والفوضى الأمنية، منوهاً أن محاسبة المتورطين في جرائم خطرة تمثل من حيث المبدأ خطوة نحو استعادة هيبة القانون وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب.
ويخشي الحجازي ألا تتوقف المسألة عند البعد الأمني وأن تتحول مستقبلاً إلى نهج أوسع في التعامل مع كل قضية تحمل طابعاً سياسياً أو أمنياً، ويؤكد أن الإرهابي الذي يقتل المدنيين أو ينفذ الاغتيالات أو يرتكب جرائم بحق الليبيين، وتثبت مسؤوليته أمام قضاء تتوافر فيه ضمانات المحاكمة العادلة يجب أن يحاسب من دون تردد.
ويقول إن ذلك يختلف تماماً عن استخدام تهم الإرهاب لتصفية الخصوم السياسيين أو المعارضين أو المختلفين في الرأي، منوهاً إلى أنه مع الإعدام كعقوبة لمن تثبت إدانته وفق القانون، لكنه ضد أن يتحول القانون نفسه إلى أداة للانتقام السياسي، فالقضية وفق رأيه ليست في شدة العقوبة، وإنما في نزاهة الطريق الذي يقود إليها، الذي يبدأ بطبيعة الجريمة، ومن يصنفها إرهابية وهل القضاء مستقل، ومدى حصول المتهم على حقه الكامل في الدفاع، وهل الأدلة واضحة وقابلة للمراجعة حتى لا يحدث لبس أو ظلم.
ويستدرك أن إعدامات بنغازي يمكن أن تكون رسالة ردع مهمة ضد الإرهاب والاغتيالات، إذا بقيت في إطار القانون والعدالة والضمانات القضائية، أما إذا أصبح "التهديد الأمني" عنواناً لتصفية الحسابات السياسية، فهنا تتحول العدالة من وسيلة لحماية الدولة إلى أداة لهدمها.