تجديد مبنى استعماري في ليبيا يثير "ذاكرة الوجع"
klyoum.com
أخر اخبار ليبيا:
العثور على قذيفة هاون غير منفجرة بطرابلساسم أشرس القادة الإيطاليين على البناء يفتح سجالاً مجتمعياً حول الذاكرة والهوية وبلدية طرابلس تطرح تغييره في استطلاع عام
في بلد مثل ليبيا، لا يزال يحتفظ بذاكرة مثقلة بتاريخ ملطخ بالدماء لفترة الاستعمار الإيطالي، لم يمر مرور الكرام افتتاح مبنى أثري في قلب طرابلس، بل جاء ينبش ذكريات تلك الحقبة، واعتبره كثيرون سقطة رسمية لا تغتفر وزلة مسيئة لضحايا إحدى أكثر الفترات قتامة في تاريخ البلاد.
لم يقتصر الجدل أو الرفض الشعبي لإعادة الافتتاح على المبنى نفسه والفترة التاريخية التي يرتبط بها، بل في الاسم الذي أطلق عليه وهو إميليو دي بونو، الذي يعد من أبرز القادة العسكريين الإيطاليين الذين لعبوا دوراً في التوسع الاستعماري في ليبيا، وارتبط اسمه بصعود النظام الفاشي بقيادة بينيتو موسوليني.
بالنسبة إلى كثير من الليبيين، فإن هذه الخلفية التاريخية تجعل اسمه رمزاً لمرحلة القمع والاستعمار، وهو ما يفسر الحساسية الكبيرة تجاه إطلاقه على أحد المعالم داخل العاصمة.
المبنى الذي أعيد افتتاحه يعد من المعالم التاريخية التي تعود إلى الحقبة الإيطالية في ليبيا، وهي فترة تركت بصمات واضحة على الطابع العمراني، بخاصة في طرابلس، وقد شكلت هذه المباني على مدى عقود جزءاً من المشهد الحضري، لكنها ظلت في الوقت ذاته محاطة بإرث رمزي مثقل بالجدل.
ويقع المبنى في "ميدان الجزائر" بوسط العاصمة طرابلس، وأعيد افتتاحه قبل أيام بعد أعوام من الإغلاق، حيث شيد عام 1931 خلال فترة الاستعمار الإيطالي، وحمل حينها اسم وزير المستعمرات الإيطالي إميليو دي بونو.
وامتدت فترة الاستعمار الإيطالي لليبيا بين عامي 1911 و1943، وشهدت انتهاكات جسيمة وثقت بوسائل كثيرة، ارتكبتها حكومة بينيتو موسليني في حق سكان البلاد على يد قادة عسكريين كثر، من بينهم بل من أبرزهم إيميليو دي بونو.
ومنذ اليوم الأول لإعلان إعادة افتتاح المبنى بعد ترميمه، اندلعت موجة من الانتقادات على المستويين الشعبي والإعلامي، إذ عبر كثير من الليبيين عن رفضهم إعادة إحياء اسم يرتبط بتاريخ الاستعمار، معتبرين أن الخطوة تمثل تجاهلاً للذاكرة الوطنية وتضحيات الليبيين خلال تلك الحقبة. واعتبر آخرون أن إطلاق اسم شخصية مثيرة للجدل على معلم داخل العاصمة رسالة رمزية غير مقبولة، داعين إلى استبداله باسم يعكس الهوية الوطنية الليبية.
في المقابل، ظهرت أصوات أقل حدة دعت إلى قراءة الحدث في سياقه الثقافي، معتبرة أن إعادة افتتاح المبنى تدخل ضمن جهود الحفاظ على المعالم التاريخية، حتى وإن ارتبطت بفترات معقدة من تاريخ البلاد، مما يعكس انقساماً في تفسير الخطوة بين بعدها التراثي ودلالاتها السياسية.
الكاتب الصحافي بشير زعبية، دعا في هذا السياق، إلى ضرورة الحفاظ على المعالم المعمارية المميزة في العاصمة طرابلس، مع إعادة النظر في تسمياتها، خصوصاً إذا كانت مرتبطة برموز الحقبة الاستعمارية.
وقال زعبية، إن صيانة المعلم المعروف باسم "غاليرية دي بونو" تعد خطوة حضارية محمودة، لكن الإبقاء على الاسم الحالي غير مبرر لارتباطه بالجنرال الإيطالي إيميليو دي بونو، الذي وصفه بأنه "أحد رموز الاستعمار ومرتبط بانتهاكات تاريخية بحق الليبيين".
وأكد زعبية أن من حق الليبيين الحفاظ على إرثهم المعماري من دون "تخليد الاستعمار" من خلال الأسماء، فـ"من حقنا أن نبقي على المعمار لكن بلا تخليد للاستعمار. في فيلم (عمر المختار) جاءت على لسان أسد الصحراء عبارة أطلقها قبيل إعدامه قال فيها (إن عمري سيبقى أطول من عمر جلادي)، فلماذا نعمل على إطالة عمر الجلاد عبر التذكير باسمه؟".
زعبية اقترح جملة من الأسماء البديلة للخروج من هذا الجدل، متسائلاً "لماذا لا يكون الاسم مثلاً (رواق الاستقلال) كون المبنى يربط بين شارعي الاستقلال و24 ديسمبر، وهما يدلان على معنى واحد، أو (رواق الحرية)، وهو مسمى في السياق نفسه؟".
يذكر أنه جرى في وقت سابق اقتراح اسم "رواق الكرامة" كبديل محتمل لاسم المبنى السابق، لكن أسباباً سياسياً في الأغلب منعت اعتماد هذا الاسم بشكل رسمي.
أمام تصاعد هذا الجدل، تحركت الجهات المحلية لاحتواء الموقف، إذ أعلنت بلدية طرابلس المركز فتح باب استطلاع الرأي العام حول إمكانية تغيير اسم المبنى، في خطوة تهدف إلى امتصاص الغضب الشعبي وإشراك المواطنين في اتخاذ القرار.
وبرزت دعوات من شخصيات رسمية ونشطاء إلى ضرورة مراجعة أوسع للأسماء المرتبطة بالحقبة الاستعمارية، مؤكدين أن القضية لا تتعلق بمبنى واحد، بل بملف أكبر يتصل بـإعادة تعريف الفضاء العام والذاكرة الجماعية في ليبيا.
ورأى البرلماني الليبي السابق نصر معيقل، أن إطلاق اسم الجنرال الإيطالي إميليو دي بونو، على أي معلم داخل ليبيا يثير تساؤلات عميقة حول مدى احترام تضحيات الآباء والأجداد الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن الأرض والكرامة خلال فترة الغزو الإيطالي.
وشدد على ضرورة التحرك لرفض أية محاولة لإعادة إحياء أسماء ارتبطت بذاكرة الألم والمعاناة، أو تمجيد رموز الاستعمار وتجاهل آلام الشعب الليبي.
من جهته، اعتبر الأستاذ الجامعي إسماعيل الفلاح أن "الجدل القائم يعكس إشكالية أعمق تتعلق بكيفية التعامل مع الإرث المعماري، فبين من يرى في هذه المباني جزءاً من التاريخ يجب الحفاظ عليه، ومن يرفض رمزية الأسماء المرتبطة بها تبرز الحاجة إلى مقاربة متوازنة".
الفلاح اقترح حلولاً وسطاً كما يراها، مثل إعادة تسمية المباني أو إضافة شروح تاريخية تضعها في سياقها الحقيقي، بما يحفظ الذاكرة من دون تمجيد رموزها. كما بيّن أن "القضية في جوهرها لا تتعلق باسم مبنى فحسب، بل تمتد إلى سؤال أعمق حول كيفية تعامل ليبيا مع ماضيها الاستعماري، بخاصة في ظل سياق سياسي واجتماعي لا يزال يبحث عن الاستقرار والتوافق، فالفضاء العام من شوارع وساحات ومبان ليست مجرد جغرافيا أو مكان عابر أو مبنى معماري جميل، بل مرآة للهوية الجماعية، وأي تغيير فيه يحمل دلالات تتجاوز الشكل إلى المعنى".
هذه القضية وقضايا مشابهة لها تكررت في فترات متقاربة خلال السنوات الماضية، يرى مهتمون بالتراث والتاريخ والإرث الثقافي الليبي أنها تكشف عن حساسية العلاقة بين الماضي والحاضر، فالتاريخ مهما بدا بعيداً، يظل حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية، بخاصة عندما يتعلق برموزه.
وبين من يدعو إلى الحفاظ على التراث، ومن يطالب بتنقية الفضاء العام من رموز الاستعمار، يبقى التحدي الحقيقي هو إيجاد صيغة توازن بين الذاكرة والهوية من دون أن تتحول أسماء الماضي إلى عبء على حاضر يبحث عن ذاته.