انكفاء الدولة غير المبرر
klyoum.com
أخر اخبار لبنان:
بصور خاصة.. هكذا احتفل رامي عياش وزوجته بعيد ميلاد ابنهماكتب سامر زريق في "نداء الوطن":
بالتزامن مع زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إلى بيروت، راجت معلومات تشير إلى أن باريس تدعم المواقف الشجاعة التي اتخذتها الحكومة، لكنها لا تؤيد نزع السلاح غير الشرعي بالقوة، أي سلاح ميليشيا "حزب الله" وتوابعه، في حين أنها تطالب الدولة باتخاذ إجراءات جدية.
بالنظر إلى ارتكاز لبنان شبه المطلق على فرنسا، وبالتوازي مع تحذيرها المتكرر من زوال الدولة، الذي ما انفك يطرح نفسه مع تجدد الأزمات، يصبح السؤال المطروح عن ماهية الإجراءات الممكنة أو المطلوبة بين حدّي الجدية وعدم المواجهة واستخدام القوة.
والحال أن المسألة تتبدّى في انكفاء الدولة غير المبرر، وعدم إظهارها الإرادة السياسية المطلوبة. ليس ذلك من النافذة الفرنسية أو الوطنية فحسب، بل إنه العنوان الذي يتكرر في غالبية المواقف الدولية والعربية. الإرادة الغائبة هذه يمكن تلمّسها في تفاصيل بسيطة تعدّ من بديهيات الدول، وفي الامتناع عن توظيف الأدوات السياسية والدولتية المتاحة لمنع "حزب الله" من ممارسة الضغط السلبي على السلطة، وعكس هذا الضغط عليه.
ذلك أن الدولة ليست خالية الوفاض أو مغلولة اليد. ما من حائل أمام فرض الأمن في العاصمة وجوارها عبر خطة طوارئ أمنية تتناسب وطبيعة وحساسية الظرف الراهن، فضلًا عن ردع المخرّبين ضمن حدود معينة لإظهار قليل من البأس والهيبة. مع تكثيف خلايا الأزمة والاجتماعات الدائمة المرتبطة بمركز القرار السياسي وليس بشخوص الجماعة السياسية لـ "الحزب". لا يعقل أن السلطة غير قادرة على تنظيم المرور، وإدارة النزوح بلا وصايات، وتقييد حرية السلاح الفردي وافتعال المشاكل بلا حسيب.
ناهيكم عن مخاطبة الرأي العام لإشعار الناس بأنهم غير متروكين لرحمة الميليشيا حتى في عادياتهم اليومية، وأن الدولة ليست محايدة، وهي من الإشكاليات المزمنة في التاريخ اللبناني، حيث لطالما كان دور الدولة محل جدل ونقاش، ما أسهم في رسم صورة عنها كفاعل سلبي في المخيال العام بسبب الفجوة بينها وبين المجتمع.
لا ريب أن الخطوة التي أقدم عليها رئيس الحكومة بمخاطبة الشعب غير مرّة، مهمة جدًا، وأيضًا إجراء حوارات مع وسائل إعلام غربية وإقليمية لشرح وتثبيت الموقف اللبناني. وتكتسب المواقف التي أطلقها في مقابلته مع قناة "الحدث"، إزاء انتشار ضباط "الحرس الثوري"، والوثائق المزورة التي يستخدمونها، ودورهم التخريبي، أهمية أكبر، لكونها تخرج هذه النقاشات من الغرف المغلقة إلى العلن، وتضع الأجهزة الأمنية تحت ضغط ضرورة القيام بواجباتها، وعدم تمييع قرارات السلطة السياسية.
وكذلك الحال بالنسبة لمواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون المحمّلة برسائل دولتية سيادية مكثفة، وخطاب وزير الخارجية المصمّم للخارج. بيد أن ذلك غير كافٍ. ثمة انسحاب غير مفهوم لبعض الوزراء الأساسيين، كما أن أداء نظرائهم المعنيين لا يتسق مع مستوى الأزمة.
إذ ذاك تمسي الدولة بصورة اليائسة والقانطة في ظل ما تظهره من انكفاء مقلق عن مسرح الأحداث، كما عن موجبات اليوم التالي وسيناريواته، وكأنها بلغت سن اليأس فيما المشروع التوسعي المذهبي الإيراني بأذرعه هو من هرِم. حتى إبّان الحرب الأهلية، كانت هناك نفحات من روحية الدولة تحاول "مقاومة" الثقافة الميليشياوية. لبنان جرى توريطه في الصراع وصار طرفًا فيه، وبالتالي يستلزم الأمر مقاربة مغايرة مغلفة بخطاب مركّز في ظل التهديد الوجودي.
ها هو الرئيس الأميركي يخاطب شعبه بشكل مكثف ويومي ويسهب في التفاصيل، بما فيها من مناورات ورسائل. والحال ينسحب على مسؤولي إدارته، وحكومة نتنياهو، بل وحتى نظام الملالي، أكان ذلك مباشرة أو مواربة عبر تسريبات موجهة ومنفوخة. في حين نجد أن "حزب الله" يملأ الفضاء العام بتدفقات من التهديدات والصواريخ الكلامية والتسريبات الممنهجة على حساب الدولة. بموازاة براعة الرئيس نبيه بري في توجيه الرسائل والتأثير في الرأي العام، بما يكسبه صورة اللاعب السياسي المتحكّم بمعادلة القرار.
تغدو الدولة راهنًا وكأنها تخوض مباراة حاسمة تلقت فيها أهدافًا، لكنها تركن بإصرار لدفاع متأخر على خط المرمى، وترفض تغيير تكتيكها لتصعيد بلوكها الدفاعي، وإخراج ما في جعبتها من قدرات لتنظيم هجمات مرتدة ضد خصم منهك، خطوطه الخلفية مشرّعة، من أجل تعزيز حضورها ومنح جمهورها الأمل بإمكانية العودة بالنتيجة. أو أقله منع تسجيل المزيد من الأهداف في مرمى كينونتها. وبينما هي قادرة على تلبيس "الحزب" بطاقة صفراء تنذره بدنوّ طرده من اللعبة، بما يعينها على احتواء خطابه الترهيبي وقدراته التخريبية، إلا أنها لا تفعل.