هل نحن مجتمع سعيد؟
klyoum.com
أخر اخبار لبنان:
مخطط إيراني لاستهداف عون وسلام؟في مجتمعٍ يعيش على وقع الأزمات المتلاحقة، من الحرب إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، لم تعد الانفعالات مجرّد ردود فعل عابرة. فبين الاحتفالات الصاخبة والعصبيّة المتزايدة وردود الفعل الحادة، يبرز سؤال عن علاقتنا بما نعيشه، وعن الحدّ الفاصل بين التعبير الطبيعي عن المشاعر والتنفيس عن ضغوط تتراكم بصمت.
تشرح الاختصاصية النفسية كريستينا نخلة، كيف يمكن فهم هذه المظاهر من الناحية النفسية، ولماذا لا تعني الضجة ومشاعر الدهشة بالضرورة السعادة، ولا يكفي الانفعال وحده للحكم على الحالة النفسية للإنسان أو المجتمع. وتوضح نخلة، في حديث لموقع MTV، أنّ المبالغة في الاحتفال أو التعبير عن المشاعر لا تدلّ بالضرورة على السعادة، كما أنها لا تعني حكماً وجود تعاسة. فمن الناحية النفسية، يجب التمييز بين الفرح المرتبط بتجارب إيجابية وشعور بالإنجاز والتواصل مع الآخرين، وبين الانفعال الذي قد يكون وسيلة للتنفيس عن ضغوط متراكمة.كما تُشير إلى أنّ الإنسان، عندما يشعر بأن قدرته على التحكم بما يجري حوله أصبحت محدودة، قد يبحث عن مساحات يعبّر فيها عن مشاعره بحرّية، وأحياناً بطريقة مبالَغ فيها، للتخفيف من وطأة ما يزعجه. وتؤدي مواقع التواصل الاجتماعي دوراً في تعزيز ثقافة إظهار الانفعالات، لكن لا يمكن تعميم هذه القراءة على الجميع أو اعتبارها دليلاً قاطعاً على الحالة النفسية للمجتمع بأكمله.في لبنان، حيث تتراكم الأزمات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، يمكن فهم لجوء بعض الأشخاص إلى هذه المظاهر بوصفه محاولة للتعويض عن الضغوط اليومية، من دون أن يعني ذلك أنّ كل احتفال مبالغ فيه يخفي معاناة نفسية. إذ ترى نخلة أنّ ارتفاع مستوى الانفعال قد يكون مؤشراً إلى الضغط النفسي، خصوصاً عندما تصبح العصبية مستمرة، ويُستفزّ الشخص بسرعة، أو يبالغ في ردود فعله تجاه مواقف بسيطة. وقد تتطور هذه الحالة أحياناً إلى خلافات حادة ومشاكل كبيرة وجرائم في بعض الحالات.وتلفت إلى أنّ اللبنانيين يعيشون ضغوطاً مزمنة تختلف حدّتها بحسب الظروف الشخصية والاجتماعية. كما أنّ التعرض المستمر لعدم الاستقرار، ولا سيما في ظل الحرب، قد يجعل الفرد في حال تأهّب دائم للخطر. وفي محاولة لحمايته، يتعامل الدماغ مع بعض المواقف اليومية كما لو أنّها تهديد، فتأتي ردود الفعل دفاعيّة حتى عندما لا يستدعي الموقف ذلك.أثر الأزمات لا يمكن فصله عن الصحة النفسية، سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي، وفق نخلة، التي توضح أنّ الفرح الطبيعي يرتبط عادةً بالرضا والارتياح، فيما قد يترافق الانفعال الناتج عن التوتر مع شعور دائم بعدم الراحة والعصبية، من دون القدرة على استعادة الهدوء.وتُشير في هذا الإطار، إلى أنّ العلاج المعرفي السلوكي يركّز على العلاقة بين الأفكار والمشاعر والسلوك. فالإنسان الذي يعيش تحت ضغط مستمر قد يفسّر الأحداث اليومية على أنّها تهديد، فيبالغ في ردّ فعله دفاعاً عن نفسه. ومن هنا، تدعو إلى التوقف أمام سؤالين أساسيين: هل ردّة فعلي تتناسب مع الموقف؟ وهل يساعدني هذا الانفعال على الشعور بطريقة أفضل أو على حلّ المشكلة؟ ففهم المشاعر وتنظيم الأفكار بطريقة منطقية، من دون إلزام النفس بالتفكير الإيجابي دائماً، يساعدان على التعبير عن الانفعالات بصورة أكثر صحّة وتجنّب ردود الفعل المؤذية.لمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية الذي يوافق 10 تشرين الأول من كلّ عام، تشدّد نخلة على أهمية الانتباه إلى مؤشّرات تتكرر في حياتنا اليومية مثل تراجع الصبر، زيادة العصبية وصعوبة تقبّل الاختلاف، معتبرةً أنّها لا تؤثر في العلاقات فحسب، بل تساهم أيضاً في تشكيل المناخ النفسي والاجتماعي الذي نعيش فيه جميعاً.وتؤكد أنّ طلب المساعدة من اختصاصي نفسي يصبح ضرورياً عندما تبدأ الانفعالات بالتأثير في الحياة اليومية، أو العلاقات الشخصية، أو القدرة على العمل والتركيز في الدراسة. كما أنّ نشر الوعي وكسر الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية يشكّلان خطوة أساسية لتشجيع الأشخاص على طلب الدعم عند الحاجة. مع التشديد على أنّ الصحة النفسية المجتمعية لا تقتصر على غياب الاضطرابات، بل تشمل أيضاً الشعور بالأمان والانتماء والثقة بالنفس وبالآخرين، وهي عناصر أساسية لبناء علاقات صحية.وفي ختام حديثها، تدعو نخلة إلى تغيير زاوية النظر إلى ما نشهده من انفعالات متزايدة. فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن سبب سرعة غضب الناس، علينا أن نتساءل عمّا نعيشه من ضغوط وما يمكن تغييره، على المستويات الشخصية والمجتمعية. هنا تبرز أهمية الشعار الذي اختارته الأمم المتحدة لليوم العالمي للصحة النفسية هذا العام وهو أن تُسمَع التجارب الحياتية: أصوات حقيقية، تغيير حقيقي أو بتعبير آخر الإصغاء إلى التجربة المعيشية: أصوات ذوي الشأن تصنع التغيير الحقيقي.
إذاً، لا يكفي أن نحاول حماية أنفسنا من آثار ما يجري حولنا، بل علينا أيضاً أن ننتبه إلى أثر تصرّفاتنا في الآخرين. وقد تبدأ الخطوة الأولى من مراجعة بسيطة لردود أفعالنا: أن نفهم ما نشعر به، قبل أن نسمح لانفعالاتنا بأن تتحكم بنا.