بشارة «مريم» في زمن العدوان
klyoum.com
في عيد البشارة، لا يقف لبنان عند عتبة ذكرى دينية عابرة، بل يدخل إلى عمق الامتحان: ماذا يعني أن تُبشّر بالحياة فيما الموت يُفرَضُ عليك؟ هنا، لا تعود البشارة روايةً تُتلى، بل موقفاً يُصاغ من لحم الناس ووجعهم. هي تلك اللحظة التي التقت فيها السماء بالأرض في قلب مريم، لتقول للبشر إنّ النور يمكن أن يولد من أكثر الزوايا عتمة. واليوم، في لبنان الجريح، تعود هذه الحقيقة لتُكتب بدمٍ وصبرٍ وثبات.
وفي زمن العدوان، لا تُقرأ البشارة في الكتب، بل في وجوه الأمّهات، في صمت الصامدين، في أطلال القرى التي تُستهدف وتصمد. كأنّ الملاك عاد، لا ليُعلن حدثاً، بل ليختبرنا: هل ما زلنا أهلاً للبشارة؟ هل نحفظ بعضنا بعضاً، أم نخذل المعنى الذي اجتمعنا عليه؟ وهنا، تصبح كلّ يدٍ تمتدّ لتُعين الآخر وتصافحه صلاةً، وكلّ كلمة تهدئةٍ مقاومةً، وكلّ تمسّك بالوحدة فعلَ انتصار على مشروع التفتيت.
العذراء التي اجتمع عندها الإنجيل والقرآن، التي تحرس لبنان وتريده مساحة لقاء لا ساحة صراع، هي على الدوام في مرمى أعداء الإنسانية الذين يعادون "الآخر" في جوهره، يعادون مريم لأنّها عنوان الطهر، ويعادون البشارة لأنّها وعد الحياة. هم لا يريدون للبشر أن يلتقوا، بل أن يتناحروا؛ لا يريدون لوطنٍ كلبنان أن يكون نموذجاً نقيضاً يفضح عنصريّتهم وأحاديّتهم وإلغائيّتهم، بل ساحةً مكسورةً تُستباح. ولذلك، فإنّ الاحتفاء بالبشارة، والدفاع عن معناها، هو دفاعٌ عن لبنان نفسه، وعن حقّه في أن يحيا بكرامة، متنوّعاً ومتّحداً في آن.
من هنا، لا يكون العيد مناسبةً من المناسبات، بل عهداً متجدّداً: أن نصون وحدتنا، وأن نفرح بتنوّعنا، وأن نحمي بعضنا بعضاً من السقوط في فخّ الفتنة. واللبنانيّون في هذا العيد، لا سيّما في ظلّ العدوان، مدعوّون لأن يجعلوا وطنهم على صورة "مريمَ" في صبره وطهره، فيكون له بذلك أن يلد من ألمه رجاءً لا يُهزم.
هكذا، وسط الركام، يمكن للبشارة أن تولد من جديد: لا كخبرٍ سماوي فحسب، بل كفعلٍ بشريّ عنيد. فإذا بقينا معاً، إذا رفضنا أن نُكسر، إذا آمنّا أنّ هذا الوطن لا يُحفظ إلّا بأهله مجتمعين، نكون قد انتصرنا للمعنى الأسمى للبشارة. وعندها فقط، يصبح العيد حقيقة، لا مناسبة… ويصير لبنان، على رغم من كلّ ما فيه، خبراً ساراً لبَنيه وللعالم كلّه.
كلّ بشارةٍ وأنتم بخير ….وحمى الله لبنانّ!