اخبار لبنان

الهديل

سياسة

سحب الاعتراف بالسفير وإعلانه شخصاً غير مرغوب فيه: قراءة قانونية ودبلوماسية

سحب الاعتراف بالسفير وإعلانه شخصاً غير مرغوب فيه: قراءة قانونية ودبلوماسية

klyoum.com

بقلم المحامي محمد مكي

يُعدّ سحب الاعتراف بسفير دولة الجمهورية الإسلامية في إيران في لبنان ومنحه مهلة لمغادرة البلاد من الإجراءات الدبلوماسية المعروفة في القانون الدولي، ويستند أساساً إلى قواعد اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (Vienna Convention on Diplomatic Relations). ويُعرف هذا الإجراء غالباً بإعلان السفير شخصاً غير مرغوب فيه (Persona Non Grata).

ويستند الأساس القانوني لذلك إلى نص المادة 9 من اتفاقية فيينا، التي تنص على أنه يحق للدولة المضيفة، في أي وقت ودون إبداء الأسباب، أن تُبلغ الدولة المرسِلة بأن رئيس بعثتها أو أي عضو فيها شخص غير مرغوب فيه، وعلى الدولة المرسِلة عندئذٍ:

 1. سحب الدبلوماسي من الدولة المضيفة،

 2. أو إنهاء مهامه في البعثة.

وإذا لم يتم ذلك خلال فترة معقولة، يجوز للدولة المضيفة رفض الاعتراف به كدبلوماسي.

 

أما التداعيات الدبلوماسية، فتتمثل في تدهور العلاقات الثنائية بين لبنان والجمهورية الإسلامية في إيران، نتيجة اتخاذ الدولة اللبنانية، عبر وزارة الخارجية، قراراً أدى إلى طرد السفير، وما يستتبع ذلك من توتر سياسي بين الدولتين.

ويحق للدولة التي طُرد سفيرها اللجوء إلى مبدأ المعاملة بالمثل (Reciprocity)، ومن الشائع أن تقوم الدولة المعنية (الجمهورية الإسلامية في إيران) بطرد سفير الدولة التي اتخذت القرار (الجمهورية اللبنانية)، تطبيقاً لهذا المبدأ في العلاقات الدولية. وقد يترتب على ذلك خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي، أو الاكتفاء بتمثيل عبر قائم بالأعمال بدلاً من سفير، وهو ما يُعد إشارة احتجاج سياسي قوية بين الدولتين.

ولا يشكّل طرد السفير عقوبة جزائية بحقه، إذ يحتفظ بحصانته الدبلوماسية حتى مغادرته البلاد ضمن المهلة التي تمنحها الدولة المضيفة، والتي تكون عادةً بين 48 ساعة وعدة أيام أو أسابيع، بحسب الحالة.

ويُستخدم هذا الإجراء كرسالة دبلوماسية شديدة تعكس استياء الدولة المضيفة من:

 1. تصريحات سياسية تُعد تدخلاً في الشؤون الداخلية،

 2. أو نشاطات تعتبرها الدولة المضيفة مخالفة للأعراف الدبلوماسية.

أما في ما يتعلق بالأبعاد السياسية، فإن ما قامت به الخارجية اللبنانية يُعد رسالة سيادية تؤكد حق الدولة في حماية سيادتها. كما يمكن استخدام هذا الإجراء كوسيلة ضغط على الجمهورية الإسلامية في إيران، وقد يكون انعكاساً للأزمة الإقليمية والدولية التي تمر بها المنطقة، لا سيما في ظل الحرب التي تطال الجنوب اللبناني، والتوترات المرتبطة بدور حزب الله في الصراع الإقليمي، خصوصاً بعد قرار الحكومة بتاريخ 2/3/2026 بحظر كافة الأنشطة العسكرية والأمنية غير الشرعية وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية.

ومن أمثلة الممارسة الدولية، شهد العالم حالات عديدة لطرد السفراء، خاصة في حالات الأزمات السياسية أو قضايا التجسس أو التصريحات المسيئة، كما حصل في حالات الطرد المتبادل بين الولايات المتحدة وروسيا، أو بين دول أوروبية وروسيا خلال أزمات دبلوماسية متكررة.

ومن أبرز المحطات الحديثة:

 • عام 2018: طرد 123 دبلوماسياً روسياً من أكثر من 25 دولة، وردّت روسيا بطرد 60 دبلوماسياً أمريكياً.

 • آذار 2022: بداية أكبر موجة طرد دبلوماسيين في أوروبا.

 • نيسان 2022: طرد نحو 200 دبلوماسي خلال يومين.

 • بين 2022 و2023: طرد ما بين 500 و600 دبلوماسي روسي.

 • عام 2023: طرد سفراء بين روسيا ودول البلطيق.

كما شهد لبنان حالات مماثلة، أبرزها الأزمة الدبلوماسية مع دول الخليج عام 2021، حيث أعلنت المملكة العربية السعودية في 29 تشرين الأول 2021 طرد السفير اللبناني ومنحه مهلة 48 ساعة للمغادرة، تبعتها البحرين والكويت بإجراءات مماثلة.

وفي الختام، يُعتبر سحب الاعتراف بسفير دولة ومنحه مهلة للمغادرة إجراءً دبلوماسياً مشروعاً وفق القانون الدولي، منصوصاً عليه في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، ويُستخدم كأداة سياسية وقانونية للتعبير عن رفض أو احتجاج الدولة المضيفة، دون أن يؤدي بالضرورة إلى قطع العلاقات الدبلوماسية.

المقالات والاراء تعبر عن كاتبها 

*المصدر: الهديل | alhadeel.net
اخبار لبنان على مدار الساعة