اخبار لبنان

ام تي في

سياسة

الحياة وعكسها... والروح ومقامها

الحياة وعكسها... والروح ومقامها

klyoum.com

في قناعة الاعتقاد الإنسانيّ ومسلمات قبوله، يذوي الجسد ويضمحل. وغالبًا، ما ينتهي إلى حفنة من تراب، ربما يكون رطباً أو جافاً، غامقاً أو فاتحاً أو كبشرة مترددة، متحيرة وضائعة تختلط عليها رائحة الألوان، والروح تبقى بعده (الجسد)، وقبله قد كانت. منذ أن نفخها في آدم، وهي أسبق من جسد أفلاطون وأوسع منه، أو هي نَفْسُ أرسطو مبدأ الحياة في الكائن الحي.

لماذا دائما الحنين للجسد، والأسية في بقاء الروح وهيامها؟ لماذا ينزوي الفرد في وحدته بين الجماعة وهو يبتعد عنها؟ وتبقى ذاكرته ومخيلته ملتصقتين بها وبما تقول الجماعة أو تحكمه، هي الحياة وعكسها، تضادُ التمرد في صبابة الحنين، وتجانسُ التعاكس في تغير ظروف حياة الإنسان، وجهاً لوجه. الحياة والموت افتراضيا، الأخير خارج مجرة الوجود المادي، الروح هي السر الأعظم في الحياة لا يحوطها اركانُ الوصف المادي، ولا يبلغ الإنسان إدراكها إلا لممُ النقل في توارث الاعتقاد لا في ما رأى العقل، وما اوتي من العلم إلا قليلا.

الجسد والروح هما وعاء الإنسان وسره، مقامهما، عقدة الخوف المزمنة من الفناء، وغريزة حب البقاء السرمدية، حتى لو طغى الظن المريب في سلم الاعتقاد البشري أن الموت نهاية مقام وبداية آخر، وعلى قاعدة ارتقاء نشوء الاقتناع الزمني ان مقام الروح السفر والترحال.

لقد أجادت المجتمعات القديمة والحديثة على تنوعها واختلافها في صناعة أساطير الموت والبعث، يسقط الجسد ببلوغ ذروة النهاية أو أقصى العمر، والروح تحلق في فضاء الوجود وتسبح. الجسد قد يتصف بالطهر او عكسه، لكن الروح منزهة عن التدنيس.الإنسان يحن إلى ضده، يملّ من غيبة الحضور، ويشتاق في حضرة الغياب.

ما بعد الحياة أو الحياة بعد الموت، وانتقال الروح، هي مسلمات فكرية لاعتقادات يصعب إثباتها أو المحاجاة بقبولها، إلا بالرضى والتسليم، أو بالخوف من المجهول البعيد، هي الحيرة الكبرى للإنسان، وقد تكون لكل كائن حي.

بعيداً من حسمية المعتقدات وحتمية الاديان، و ما يعزوه الفيلسوف الاسكندراني - اليوناني (بلوتينوس)، أفلوطين من تخمينات عندما لا يعري الروح من انتمائها إلى العالم الأعلى بعدما جاءت إلى العالم الاسفل، إذ لم تنقطع في جزئها الأعلى من اللجوء إلى الأعلى حتى في سَجنِها داخل الجسد، وهذا ما اسمته العرب بالهامَة، تشاهد وتصف، تنقل من دون غيبة أو نميمة، مؤتمنة على وقائع الدنيا وترسلها إلى العالم الأعلى، إنها روح بلا روح، وتأكيدا روح بلا جسد.

أبدية السؤال الحائر، أين كانت الروح قبل الجسد؟ واين تغدو بعده؟ هل هي حصرية بوجودها بجسد واحد ام هي روح واحدة بأجساد متعددة؟ ام تتنقل وتتقمص ترحل أو تعود؟ ومنها ما يستقيم في الجميل، ومنها ما يستقر في البشع، و منها روح تعتلي على جسد القصير، ومنها ممشوقة على قده الطويل.

هذه الروح ذاتها هل تُخَيّر في الانتقال بين جسدي عدوين لدودين، بين القاتل والقتيل، او تسكن الجسدين معاً؟ ولما لا؟ هل سكنت في جسد قاتل وقاس؟ ام سئمت من جسد عاشق مرهف؟ ربما عاشت معاناة فقر، وربما أتخمها فحش غنى. هذا الفضل أتى هنا من يشاء، وهذا الجحود اتى هناك من يشاء. هل خبرت جسد الأنثى وغوايته؟ هل استشاطت من ذكورية جسد الرجل؟ الأديان أعطت،وكذلك المذاهب، اجاباتٍ كثيرةً لكنها متجانسةٌ متطابقة، وحتميةٌ حاسمة بلا عناء في طرح الاسئلة، وإذا طرحت، فالقناعة مسيّرة بقبولها أن يرضى السائل ويستكين المجيب،جسد هذا الانسان و روحه، ادراك ذهني راسخ تتنازعه، غريزةٌ يكبتها وأخلاقٌ يرتضيها، الصعب جدا لا المؤلم جدا ان تكون الروح تهوى جسدا غير الذي أتته، يأتي الثنائي إلى الحياة والوجود على امل اللقاء، و يرحل عنهما، على امل اللقاء ايضاِ.

وما تفعل الجماعة في روح الفرد؟ هل يستعين بها في درء الخوف من الفناء وتوسل الحنين الدائم إلى البقاء. لو اقتنع الإنسان بأن الموت ليس فراقا أبديا لما كان يعيش الحزن الأكبر عند غياب الروح. كلنا سيكون مرة جسدا بلا روح أو روحا فارقت الجسد إلى الابد، الامل باللقاء الأكبر، وهذا ميعاد الإنسانية العظيمة.

*المصدر: ام تي في | mtv.com.lb
اخبار لبنان على مدار الساعة