اخبار لبنان

المرده

سياسة

دول الخليج والقواعد الأميركية؟

دول الخليج والقواعد الأميركية؟

klyoum.com

كتب ناصر قنديل في البناء 

مع كل ضربة إيرانية تطال هدفًا في الخليج، يرتفع منسوب الخطاب الخليجي الذي يحمّل طهران مسؤولية دفع دول الخليج من موقع الحياد إلى موقع الانخراط في الحرب، عبر ما يُصوَّر كاستهداف غير مبرّر لدول لم تشارك في القتال، بل سعت – كما تقول – إلى ثني واشنطن عن إشعالها. لكن المفارقة تظهر بوضوح حين يُسأل الرئيس الأميركي دونالد ترامب عمّن يقف إلى جانب بلاده بعد تراجع حلفاء الناتو، فيجيب بلا تردد: دول الخليج و”إسرائيل”، ولا يصدر أي نفي خليجي لذلك. هنا يصبح السؤال الخليجي عن “الحياد” موضع اختبار فعلي، لا خطابي.

إذا كان الطريق الأول لتحييد الخليج يمر عبر توقف إيران عن الاستهداف، فإن الطريق الآخر – الأكثر واقعية – يمرّ عبر إغلاق القواعد الأميركية المنتشرة على أراضيه. عندها فقط يتحول الحياد إلى معادلة قائمة على الوقائع لا على النوايا. لأن وجود هذه القواعد يجعل الخليج، بحكم الجغرافيا العسكرية، جزءًا من مسرح العمليات، سواء أراد أم لم يُرد. ومن هنا، فإن الاحتجاج الخليجي على استهدافه يفقد جزءًا كبيرًا من قوته، طالما أن هذه القواعد تُستخدَم – أو يمكن أن تُستخدم – في الحرب.

لدى التدقيق في ما أقامته أميركا في دول الخليج تحت ستار القواعد يبدو أن المسألة في الخليج ليست مجرد قواعد عسكرية بالمعنى التقليدي، كما يحلو للخطاب السياسي أن يختصرها، بل ما يتحدث عنه قادة عسكريون أميركيون سابقون هو بنية تحتية هائلة، كلفت – على مدى عقود – تريليونات الدولارات، وتشكل العمود الفقري لنظام السيطرة المعلوماتية والعسكرية والمالية الأميركي عالميًا. هذه المنظومة، بحكم وجودها خارج الأراضي الأميركية، تعمل بهوامش قانونيّة أوسع، وتستفيد من تسهيلات خليجية مفتوحة، ما يجعلها بيئة مثالية لتشغيل قدرات لا يمكن بناؤها داخل الولايات المتحدة بالمرونة نفسها.

في قلب هذه البنية، كما يقول المتحدثون العسكريون الأميركيون من جنرالات سابقين، تقوم منظومات تنصّت وتجميع بيانات غير مسبوقة، تُعنى بالتقاط مئات ملايين الاتصالات يوميًا، من الصوت إلى البيانات الرقميّة، مرورًا بالحركة عبر الإنترنت والأقمار الصناعية. هنا لا يجري مجرد الرصد، بل الأرشفة والتحليل ضمن “سُحُب” تخزين عملاقة تُعَدّ من الأكبر في العالم، تديرها شركات تكنولوجيا كبرى تعمل بعقود ضخمة لتطوير خوارزميات الفرز، والتصنيف، والتوقع. هذه ليست قواعد عسكرية بقدر ما هي “عقل رقمي” يدير تدفق المعلومات العالمية.

إلى جانب ذلك، تنتشر رادارات فائقة القدرة، تُغطي مساحات شاسعة من المجال الجوي والبحري، وتلعب دورًا مركزيًا في توجيه أنظمة الدفاع الجويّ في أكثر من ساحة، من شرق أوروبا وحرب أوكرانيا إلى شرق آسيا والصراع حول تايوان وصولاً إلى تخديم الحروب الإسرائيلية التي تدخلها أميركا وتلك التي لا تدخلها. كما تعمل مراكز تحليل صور الأقمار الصناعية على مدار الساعة، حيث تُفحص كل حركة، وكل تغير جغرافي أو عسكري، في الزمن الحقيقي، لتغذية غرف العمليات بالمعطيات الدقيقة، وقد ظهر جلياً حجم أهمية هذه المنظومة الأميركية عندما نجحت إيران بتدمير مجموعة من هذه الرادارات، وتبين فوراً أن زمن الإنذار الإسرائيلي من الصواريخ الإيرانية وإطلاق صفارات الإنذار، قد انخفض من سبع دقائق إلى دقيقتين فقط.

وفوق كل هذه الأدوار الخفيّة يظهر البعد العملياتي: غرف قيادة وتحكم تدير التدخلات السريعة، من توجيه الطائرات المسيّرة إلى إدارة الضربات الجوية، مرورًا بتوفير الإحداثيات للصواريخ التي تُطلق من سفن وغواصات بعيدة. هذا عدا اتخاذ العديد من دول الخليج واجهة عالمية لحركة مالية لتلاقي رساميل وأموال الشركات الأميركية العملاقة وعلى رأسها شركة بلاك روك، وتتاح فرصة لمراقبة وإدارة التحكم بمجالات مالية روسية وصينية وإيرانية عدا المجالات المالية التي تسمّى بالسوق السوداء وعمليات تبييض الأموال التي لا تتيح القوانين الأميركية إدارتها في أميركا، وغالبها يشكل مصدر تمويل غير قانوني للمخابرات الأميركية يعفيها من الإنفاق من الموازنة الأميركية في كل المهمات المسماة قذرة مثل الاغتيالات والانقلابات والثورات الملونة والحروب الأهلية. في هذه المنظومة، يصبح الحضور العسكريّ المباشر – من قواعد وجنود – أشبه بطبقة حماية لهذه “المنشآت الاستثنائية” لا أكثر.

ضمن هذا المشهد، تكون إيران – بحكم موقعها ودورها – تحت مراقبة دائمة، لا تنقطع، ما يجعلها في نظر هذه المنظومة هدفًا حاضرًا باستمرار في بنك الأهداف. لكن في المقابل، فإن استهداف هذه البنية أو محيطها لا يُقرأ فقط كفعل عسكري تقليدي، بل كاشتباك مع مركز ثقل النظام الأميركي نفسه، حيث تتداخل الحرب العسكرية مع حرب البيانات، والسيطرة على الفضاء المعلوماتي. ويصبح الخليج أكثر من مجرد ساحة تموضع عسكري، بل عقدة مركزية في شبكة الهيمنة العالمية: مَن يسيطر عليها أو يعطلها، لا يؤثر في معركة إقليميّة فحسب، بل يلامس توازن القوى على مستوى العالم.

السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه: ماذا جنت دول الخليج من هذه القواعد؟ وهل وفّرت لها الحماية التي قامت فلسفة وجودها عليها منذ ما سُمّي بحرب تحرير الكويت؟ الوقائع القريبة لا تسعف هذا الادعاء. من استهداف منشآت أرامكو من قبل أنصار الله اليمنيين وتخلّي أميركا عن نصرة دول الخليج، إلى استهداف “إسرائيل” للدوحة وإطفاء قاعدة العُديد للرادار، إلى الضربات التي طالت مواقع حساسة في المنطقة، لم تثبت هذه القواعد أنها درع حقيقية، بل تحوّلت في نظر خصوم واشنطن إلى أهداف إضافية، أو إلى ممرات لتهديدات متبادلة.

من زاوية أخرى، ما تقوم به إيران لا يبدو مجرد ردود تكتيكية، بل محاولة استراتيجية لقلب معادلة الحرب: رفع كلفتها إلى الحد الأقصى على الاقتصاد العالمي، وعلى القيادة الأميركية تحديدًا. حيث مضيق هرمز، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، كلها تتحوّل إلى أدوات ضغط. لكن المفارقة أن جزءًا كبيرًا من هذه الكلفة يقع على دول الخليج نفسها، رغم أن القرار بالحرب ليس قرارها.

وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: تمتلك دول الخليج أداة مباشرة لتغيير هذه المعادلة، وهي إعادة تعريف موقعها عبر إنهاء الوجود العسكري الأميركي على أراضيها. عندها فقط تصبح كلفة الحرب كلفة أميركية خالصة، لأن إخراج القواعد الأميركية من الخليج عدا عن كونه علامة الحياد الصادقة، هو خسارة أميركية لا تقلّ عن ما يهدّد الاقتصاد العالمي عبر الضربات الإيرانية، وهكذا لا تتطوّع دول الخليج لمشاركة أميركا في دفع الثمن عبر كلفة مشتركة تُدفع من استقرار الخليج واقتصاده. خصوصاً أن الإبقاء على القواعد، يعني عمليًا القبول بأن تكون خسائر واشنطن موزّعة على حلفائها، وأن يبقى الخليج في قلب المعركة، مهما رفع من شعارات الحياد.

بهذا المعنى، لا يعود السؤال: لماذا تُستهدَف دول الخليج؟ بل يصبح: لماذا تُبقي دول الخليج بإرادتها على الشروط التي تجعل استهدافها جزءًا من منطق الحرب؟

*المصدر: المرده | elmarada.org
اخبار لبنان على مدار الساعة