2025... حين تتحوّل ليونة ترامب إلى سلاح بيد بوتين
klyoum.com
للعام الرابع تواليًا، تستعدّ أوكرانيا للاحتفال بالسنة الجديدة على وقع الضربات الجوية الروسية اليومية التي تستهدف مدنها وبنيتها التحتية للطاقة وتفتك بمواطنيها من دون تمييز. لم يكن عام 2025 سهلًا على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ومقاتليه الشجعان، إذ شكلت عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض تحديًا كبيرًا للعلاقات الأميركية - الأوكرانية، ما أرخى بظلاله على قدرات الجيش الأوكراني ومعنويات شعبه. تعهد ترامب خلال حملته الانتخابية بإنهاء الحرب على أوكرانيا خلال 24 ساعة، وأطلق منذ بداية العام جهودًا دبلوماسية مكثفة للتوصل إلى اتفاق، لكن مقاربته القائمة على الضغط على أوكرانيا والأوروبيين، مقابل التعامل بليونة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فشلت في وقف القتال، ورسّخت قناعة الكرملين بأنه قادر على تحقيق أهدافه بالقوة العسكرية.
نجح زيلينسكي في التأقلم مع عدائية ترامب له ولبلاده على مدى العام، حيث استطاع تجاوز التوبيخ العلني البعيد كل البعد من الأعراف الدبلوماسية الذي تلقاه من قبل ترامب ونائبه جيه دي فانس في البيت الأبيض في شباط الماضي، فقد حقق منذ ذلك الحين معظم مطالب ترامب منه، من دون أن يتنازل عن الخطوط الحمر التي يشترط أن تحترم ضمن أي اتفاق سلام. بالفعل، وقعت كييف اتفاقًا مع أميركا حول استثمار المعادن النادرة في نيسان الماضي بناء على إلحاح ترامب، كما وافقت على كافة الدعوات الأميركية إلى تفاوض مباشر بين كييف وموسكو، وشاركت في محادثات عدة مع روسيا في اسطنبول، رغم مماطلة موسكو وإرسالها وفودًا منخفضة المستوى ورفض بوتين لقاء زيلينسكي، فيما لم تنتج تلك المحادثات سوى عمليات تبادل لآلاف أسرى الحرب.
فضلًا عن ذلك، لم ترفض كييف بشكل مطلق خطة أميركية مكونة من 28 نقطة طُرحت عليها الشهر الماضي، رغم أن الخطة كانت مجحفة بحقها وتحقق معظم أهداف روسيا، بل سعت إلى تحسين الخطة قدر المستطاع من خلال دبلوماسية مكوكية وحشد الدعم الأوروبي، الأمر الذي تكلّل بالنجاح، إذ لم تضغط واشنطن على كييف لقبول تلك الخطة بعد تسريبها، ثمّ جرى تغيير الخطة بشكل كبير، حيث أضحت مكونة من 20 نقطة بعد إلغاء وتعديل عدد من البنود التي كانت تصب في مصلحة روسيا. على سبيل المثال، أصبحت الخطة الجديدة تنص على أن حجم الجيش الأوكراني سيبقى عند 800 ألف فرد في وقت السلم، بعدما كانت تقضي الخطة السابقة بتقليص حجمه إلى 600 ألف، في حين أزيلت بنود كانت موجودة في الخطة السابقة وكانت تنص على اعتراف بحكم الأمر الواقع بسيطرة روسيا على أراض أوكرانية.
زار زيلينسكي البيت الأبيض الأحد الماضي لمناقشة خطة السلام الأميركية المكونة من 20 نقطة والضمانات الأمنية الأميركية لكييف وإعادة إعمار أوكرانيا بالتعاون مع واشنطن. أكد ترامب وزيلينسكي بعد الاجتماع أنهما متفقان على معظم بنود الوثائق التي أعدّت على مدى الأسابيع الأخيرة بعد محادثات أميركية - أوكرانية وأميركية - روسية في مدينة ميامي. لكنهما أوضحا في الوقت عينه أن بعض المسائل الشائكة بقي من دون اتفاق، أبرزها قضية الأراضي الأوكرانية التي تسعى روسيا إلى ضمّها، ومصير أكبر محطة طاقة نووية في أوروبا، محطة زابوريجيا، المحتلة حاليًا من قبل موسكو. وإذ اتفق الطرفان إلى حدّ بعيد على الضمانات الأمنية، لا تزال مدة صلاحية تلك الضمانات قيد النقاش، في وقت ترفض فيه موسكو إبداء رأيها الصريح بالخطة المقترحة، متمسّكة بشروط بوتين التعجيزية لإنهاء الحرب.
تشكل مسألة التخلّي عن أراض أوكرانية لمصلحة روسيا في إطار أي اتفاق سلام، نقطة بالغة الحساسية بالنسبة إلى زيلينسكي وإلى أي قائد أوكراني آخر لو كان مكانه، إذ قاتل الأوكرانيون ببسالة قلّ نظيرها على مدى الأعوام الأربعة الماضية لمنع روسيا من احتلال أراضيهم، وقد دفع الشعب الأوكراني فاتورة باهظة جدًا مقابل كل شبر تمكّن الجيش الأوكراني من الحفاظ عليه أو استعادته من الاحتلال الروسي. لذلك، اقترح زيلينسكي طرح مسألة الأراضي والخطة الأميركية على الاستفتاء الشعبي، داعيًا ترامب إلى زيارة كييف وإلقاء كلمة أمام النواب الأوكرانيين الذين سيتعيّن عليهم المصادقة على أي تسوية بموجب التصور الأميركي، الأمر الذي أبدى ترامب استعداده للقيام به.
تسعى روسيا إلى ضم أقاليم لوغانسك ودونيتسك وزابوريجيا وخيرسون. لكن الجيش الروسي لم يتمكن من احتلال سوى لوغانسك بشكل شبه كامل، بينما لا تزال أوكرانيا تسيطر على أراض واسعة واستراتيجية في الأقاليم الثلاثة الباقية. لذلك، يحاول بوتين، الذي تكبّد جيشه خسائر فادحة مقابل تقدّمه البطيء، تحصيل عبر المفاوضات ما لم يستطع تحقيقه بالحرب، وقد طالبت موسكو خلال محادثاتها مع أميركا بانسحاب القوات الأوكرانية من منطقة دونيتسك بشكل كامل، مقابل تجميد القتال عند خطوط المواجهة في زابوريجيا وخيرسون وانسحاب روسيا من بعض الأراضي التي تحتلّها خارج الأقاليم الأربعة، لكن كييف ترفض الانسحاب من دونيتسك التي تحتوي على حزام القلعة، وهو خط الدفاع الرئيسي لأوكرانيا في المنطقة منذ عام 2014.
وبينما يقلّل بوتين والقادة العسكريون الروس في العلن من صعوبة سيطرة روسيا على حزام القلعة عسكريًا خلال العام المقبل، أفاد معهد دراسة الحرب بأن حزام القلعة مكون من أربعة مراكز سكانية رئيسية محصنة بشكل كثيف، وهي مدن كوستيانتينيفكا، دروجكيفكا، كراماتورسك، وسلوفيانسك، موضحًا أن حزام القلعة يُعدّ أكبر بكثير وأكثر كثافة سكانية من أي تجمعات أو بلدات استولت عليها القوات الروسية في السنوات الأخيرة، ولم تُظهر القوات الروسية منذ عام 2022 أي قدرة على تطويق أو اختراق أو الاستيلاء بسرعة على مدن بهذا الحجم. ورجّح المعهد أن القوات الروسية لن تسيطر على مقاطعة دونيتسك بشكل كامل قبل آب 2027، على افتراض أنها ستكون قادرة على الحفاظ على وتيرة تقدّمها حتى ذلك الوقت.
كما قدّر المعهد أن القوات الروسية ستحتاج حتى نيسان 2029 للسيطرة بشكل كامل على الأقاليم الأربعة، في حال استمرار وتيرة تقدّم قواتها الحالية، إلّا أن هذا التقدير لم يأخذ في الاعتبار العقبات العديدة التي ستواجهها القوات الروسية لتحقيق ذلك، مثل عبور نهر دنيبرو، وتجاوز المعالم المائية الأخرى المنتشرة في الأقاليم، واحتلال المدن الكبرى، خصوصًا مدينتي زابوريجيا وخيرسون. انطلاقًا من ذلك، ترفض كييف الإنسحاب من دونيتسك ومن أي أراضٍ أخرى خاضعة لسيطرتها، لكن موسكو تصرّ على هذا الأمر، لذا تحاول واشنطن التوفيق بين الطرفين عبر طرحها إنشاء منطقة اقتصادية في دونيتسك، ما أبدت أوكرانيا استعدادها لبحثه، إنما ربطت انسحابها بانسحاب الجيش الروسي أيضًا من الإقليم.
توازيًا، تطرح واشنطن صيغة توافقية في شأن محطة زابوريجيا للطاقة النووية، حيث تقترح أن تجري إدارة المحطة بشكل مشترك من قبل أوكرانيا وروسيا وأميركا، على أن تسيطر كل دولة على ثلث المحطة، وتتولّى واشنطن دور المشرف الرئيسي عليها. لكن كييف تعارض السيطرة الروسية على المحطة، مقترحة أن تُدار من خلال مشروع مشترك مع واشنطن، بحيث تستفيد أوكرانيا من نصف الكهرباء المولّدة، فيما تحدّد أميركا توزيع النصف الآخر. في المقابل، تدعي روسيا أن المحطة ملكها، وتدير المحطة وحدة تابعة لشركة روساتوم النووية المملوكة للدولة الروسية، في حين ذكرت صحيفة كوميرسانت أن موسكو نظرت في إمكانية استخدام مشترك للمحطة مع واشنطن.
أمّا في ما يتعلّق بالضمانات الأمنية، فقد أفاد زيلينسكي بأن هناك وثيقتين أعدّتا حول تلك المسألة، إحداها متعلّقة بشكل رئيسي بأوروبا والأخرى بأميركا. تتكون الضمانة الأمنية الأوروبية من عنصرين رئيسيين، انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، ونشر قوات أوروبية في البلاد، سيوفرها تحالف الراغبين الذي تقوده بريطانيا وفرنسا. كثفت الدول الأوروبية دعمها لأوكرانيا بشكل ملحوظ منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض ووقفه إمداد بلاده أوكرانيا بالسلاح بشكل مباشر، بحيث توصلت دول الناتو مع أميركا إلى اتفاق يقضي بشراء تلك الدول السلاح من واشنطن وإرساله إلى كييف، كما تعهدت تلك الدول بزيادة إنفاقها الدفاعي إلى خمسة في المئة من ناتجها المحلي. لا يقف في وجه تنفيذ الضمانة الأوروبية سوى روسيا التي ترفض نشر قوات أجنبية في أوكرانيا، في وقت تزامن فيه تكثيف الدعم الأوروبي لأوكرانيا والحديث عن نشر قوات أوروبية في البلاد مع تصاعد وتيرة الهجمات الهجينة الروسية على الدول الأوروبية.
بالنسبة إلى الضمانة الأميركية، فقد ألمحت واشنطن إلى أنها ستكون مماثلة لضمانة البند الخامس من ميثاق الناتو، كما أكد ترامب أن اتفاق الضمانات الأمنية سيصادق عليه الكونغرس الأميركي، ما يجعله ملزمًا قانونيًا وغير قابل للإلغاء سوى عبر الكونغرس نفسه، لكن زيلينسكي أوضح الإثنين أن الضمانة ستكون سارية لمدة 15 عامًا قابلة للتجديد، لافتًا إلى أنه طلب من ترامب خلال لقائهما الأحد بأن ينظر في إمكانية أن تكون صالحة لمدة 30 أو 40 أو 50 عامًا، الأمر الذي يبدو أن ترامب منفتح على بحثه.
رغم التطورات الكثيرة التي طرأت خلال هذا العام على مستوى العلاقات بين أميركا وكل من أوكرانيا وأوروبا، لم تفلح أي من خطوات ترامب في إرضاء بوتين لتليين الموقف الروسي الذي بقي ثابتًا على التمسّك بشروطه التعجيزية لإنهاء الحرب بسبب الضغط الأميركي الخجول عليه، فقد اقتصرت الخطوات الأميركية ضدّ روسيا على بعض العقوبات الاقتصادية التي تمرّست موسكو على الالتفاف حولها. لذلك، سيتعيّن على ترامب خلال العام الجديد تعديل وجهة سهامه وتصويبها نحو بوتين عبر إمداد أوكرانيا بأسلحة نوعية جديدة والتوقف عن حض كييف على تقديم تنازلات مجانية، لأن ذلك لن يؤدّي سوى إلى تشجيع روسيا على استكمال حربها، منتظرة أن يقدّم لها الغرب على طبق من فضة ما لم تحققه بواسطة دماء مئات الآلاف من جنودها.