هل جُنّ نعيم؟
klyoum.com
أخر اخبار لبنان:
بالفيديو.. دمار جراء الغارة الاسرائيلية على تولسؤال الجنون ليس استفزازاً لغوياً، وإنما مدخل إلى لحظة لبنانية مكشوفة. لحظة قال فيها الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم ما كان يُقال همساً أو يُدار في الغرف المغلقة.
لحظة خرج فيها الكلام من دائرة التطمين إلى مساحة التهديد، ومن لغة الاحتمال إلى يقين الاصطفاف.
لبنان، مرة أخرى، موضوع على الطاولة بوصفه ساحة، لا وطناً.
خطاب قاسم الأخير لم يُغضِب خصوم الحزب وحدهم. الغضب تمدّد إلى بيئات كانت تحسب نفسها على الضفة الرمادية، أو على هامش التحالف. السبب واضح وبسيط وقاسٍ: إعلان صريح بأن الحزب لن يقف جانباً إذا اندلعت حرب على إيران أو طاولت القيادة العليا في طهران.
الجملة خرجت بلا مواربة، بلا حسابات داخلية، بلا اعتبار لبلد مثقل بالخراب والخسارة. كأن لبنان تفصيل مؤجل في معادلة أكبر منه بكثير.
الكشف الأخطر لم يكن في التهديد نفسه، كان في ما سبقه. حديث عن اتصالات خلال شهرين، عن سؤال وُجّه للحزب: هل ينأى بنفسه؟ والجواب جاء عقائدياً، تنظيمياً، نهائياً. إيمان ومنهج وولاية. هنا سقط الادعاء القديم بأن القرار يُصاغ في بيروت، وأن الأولوية لبنانية. ما قيل أعاد تثبيت حقيقة يعرفها الجميع ويتجاهلها كثيرون: الحزب جزء عضوي من مشروع إقليمي، يتحرك بإشارته، ويضع ساحته في خدمته متى طُلب ذلك.
التداعيات السياسية جاءت سريعة. جبران باسيل، الحليف الذي بنى سنوات من التفاهم والرهان، أعلن سقوط الوثيقة بسقوط ركائزها. كلامه لم يكن انفعالاً طائشاً، بل مراجعة متأخرة لسنوات من الشراكة التي انتهت إلى تدمير الحزب والبلد معاً، كما قال. وحدة الساحات، حرب الإسناد، الوظيفة الردعية. مصطلحات كانت تُرفع باعتبارها عناصر قوة، فإذا بها تتحول إلى مفردات الخسارة.
تجربة إسناد غزة ما زالت طازجة في الذاكرة. حرب اندلعت بعد هجوم «حماس» في أكتوبر 2023، فدخلها الحزب من الحدود الجنوبية، ودفع لبنان أثماناً بشرية ومادية لم يتعافَ منها. قرى مدمرة، اقتصاد منهك، خوف مزمن. اللبنانيون يعرفون هذه السلسلة جيداً، ويعرفون أن الحلقة المقبلة، إن وقعت، ستكون أثقل وأقسى.
الرفض لم يقتصر على باسيل. أصوات سياسية متعددة خرجت لتقول إن الكيل فاض.
هادي أبو الحسن تحدث عن مصلحة البلد أولاً، وعن الاكتفاء من حروب الإسناد.
وزير العدل عادل نصار ذهب أبعد، وسمّى الأشياء بأسمائها: انقطاع عن الواقع، استخفاف بحياة الناس، ارتهان أعمى. كلامه حمل نبرة قطيعة أخلاقية قبل أن تكون سياسية.
في الخلفية، دولة تحاول أن تضغط. حديث عن سلاح جنوب الليطاني، عن مرونة موضعية تحت وقع الضربات الإسرائيلية، يقابله تصلب كامل حيال السلاح كله. التلويح بحرب أهلية يعود كلما اقترب النقاش من جوهر المشكلة. كأن السلاح قدر لا يُمس، وكأن المجتمع مطالب بالقبول الدائم بالعيش على حافة الانفجار.
المخاوف لا تأتي من الداخل وحده. رسائل تحذير عربية وغربية وصلت بوضوح. أي اندفاع جديد سيترك لبنان وحيداً في مواجهة العاصفة.
وزير الدولة القطري محمد بن عبدالعزيز الخليفي تحدث عن قلق إقليمي ودولي، عن توقيت بالغ الحساسية، عن ضرورة خفض التصعيد. كلام دبلوماسي هادئ، يحمل في طياته إنذاراً واضحاً: النار الإقليمية إذا اشتعلت، سيحترق لبنان أولاً.
السؤال إذاً ليس عن جنون شخصي، بل عن منطق كامل وصل إلى نهاياته. منطق يرى البلد ورقة، والسلاح غاية، والناس أضراراً جانبية.
خطاب نعيم قاسم لم يكن زلة لسان.. كان إعلان مرحلة. مرحلة تُعاد فيها كتابة موقع لبنان من دون إذنه، وتُقرر فيها مصائره خارج حدوده.
هنا تماماً يبدأ الخطر.
هنا يتأكد أن الجنون الحقيقي ليس في السؤال، بل في الاعتياد.