حين تُسرق الطفولة: أطفال الشوارع في لبنان بين الفقر والجريمة المنظّمة
klyoum.com
أخر اخبار لبنان:
بالفيديو: الجيش الإسرائيلي يعتقل مسؤولا في السرايا اللبنانيةرامي ضاهر
لم تعد ظاهرة أطفال الشوارع والمتسوّلين في لبنان مجرّد مشهد عابر في الطرقات أو عند إشارات السير، بل تحوّلت إلى أزمة اجتماعية متفاقمة تعكس عمق الانهيار الاقتصادي، وتكشف في الوقت نفسه عن تقصير خطير في حماية الطفولة. أطفال يُفترض أن يكونوا على مقاعد الدراسة، يجدون أنفسهم اليوم في الشارع عرضة للاستغلال والعنف والتهميش، وسط غياب حلول جدّية ومستدامة.
من أرض الواقع... مشاهد يومية لا تحتاج إلى تقارير
من يتجوّل في شوارع بيروت اليوم، ولا سيما عند إشارات السير والساحات العامة، لا يحتاج إلى إحصاءات أو تقارير ليدرك حجم المأساة. أطفال صغار يحملون علب المناديل، آخرون يمسحون زجاج السيارات بأيدٍ مرتجفة، وبعضهم يقفون تحت الشمس أو البرد لساعات طويلة يمدّون أيديهم طلباً للقليل من المال. وجوه شاحبة، ملابس مهترئة، وعيون فقدت براءة الطفولة باكراً.
في وسط العاصمة، وعلى طرقات يُفترض أنها عنوان للحياة والاقتصاد، تتحوّل الإشارات الحمراء إلى مسرح يومي لمعاناة صامتة، حيث يتقاطع السائقون مع أطفال لم يعرفوا بعد معنى المدرسة ولا اللعب ولا الأمان. مشاهد باتت مألوفة إلى حدّ الخطورة، وكأنّ المجتمع بدأ يتعايش مع وجود أطفال الشوارع كجزء طبيعي من المشهد الحضري، في واحدة من أخطر أشكال التطبيع مع الانتهاك.
واقع يتفاقم مع الانهيار
منذ بداية الأزمة الاقتصادية عام 2019، ازداد عدد الأطفال العاملين في الشوارع بشكل لافت، سواء في التسوّل، بيع المناديل، مسح زجاج السيارات، أو ممارسة أعمال أخرى غير آمنة. وتشير تقديرات منظمات غير حكومية إلى أنّ آلاف الأطفال باتوا خارج المدرسة، في ظل عجز عائلاتهم عن تأمين أبسط مقوّمات العيش.
ويؤكد ناشطون اجتماعيون أنّ الظاهرة لم تعد محصورة بفئات محدّدة، بل شملت أطفالاً لبنانيين إلى جانب أطفال من عائلات نازحة ولاجئة، ما يجعل المشكلة أكثر تعقيداً وتشابكاً، ويضع الدولة أمام تحدٍّ اجتماعي وأخلاقي غير مسبوق.
أميرة سكر: حماية الأحداث واجب قانوني وأخلاقي
تؤكد رئيسة حماية الأحداث في لبنان أميرة سكر أنّ ظاهرة أطفال الشوارع والمتسوّلين لم تعد تحتمل المعالجة الظرفية أو الموسمية، معتبرة أنّ «ما نشهده اليوم هو نتيجة تراكم سنوات من الإهمال، حيث تُرك الطفل في مواجهة الفقر والعنف والاستغلال من دون أي شبكة حماية فعّالة».
وتشير سكر إلى أنّ قانون حماية الأحداث في لبنان واضح لجهة تجريم استغلال القاصرين في التسوّل أو العمل القسري، إلّا أنّ المشكلة تكمن في ضعف التنفيذ وتداخل الصلاحيات بين الإدارات المعنية. وتقول: «دورنا يبدأ عندما يُعتبر الطفل في خطر، لكن الحماية الحقيقية تتطلّب تعاوناً كاملاً بين القضاء، القوى الأمنية، وزارة الشؤون الاجتماعية، والبلديات، إضافة إلى المجتمع المدني».
وتلفت إلى أنّ سحب الطفل من الشارع لا يعني حل المشكلة، موضحةً أنّ «أي تدخّلا لا يرافقه دعم نفسي، متابعة اجتماعية، وإعادة دمج تربوي، سيؤدي إلى إعادة الطفل إلى البيئة نفسها التي أنتجت الخطر». كما تشدّد على ضرورة العمل مع العائلة، لا مع الطفل فقط، لأن الفقر والتفكك الأسري غالباً ما يكونان السبب الأساسي للانتهاك.
وتختم سكر بالتأكيد على أنّ حماية الأطفال مسؤولية وطنية جامعة، محذّرة من أنّ «التغاضي عن هذه الظاهرة يعني القبول بجيل محروم من حقوقه الأساسية، ما يهدّد مستقبل المجتمع ككل، وليس فقط مصير هؤلاء الأطفال».
آثار نفسية خطيرة وطويلة الأمد
من جهتها، تؤكد الدكتورة في علم النفس العيادي عبير الأعور أنّ التسوّل يُعدّ من أخطر الظواهر الاجتماعية التي تُرتكب بحق الأطفال، لما له من تداعيات نفسية وسلوكية عميقة وطويلة الأمد. وتوضح أنّ أسباب هذه الظاهرة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والنفسية والاجتماعية، حيث يدفع الفقر والعوز بعض العائلات إلى إرسال أطفالها إلى الشارع، فيما يلجأ آخرون إلى ذلك بدافع الكسل أو الاتّكال على ما يجنيه الأطفال من أموال سهلة.
وتحذّر الأعور من أنّ هذه التجربة المبكرة في الشارع تؤدي إلى اضطرابات سلوكية ونفسية، وتفتح الباب أمام تفشّي الجريمة في المستقبل، إضافة إلى تعاطي المخدرات، والانخراط في شبكات الدعارة، ما يترك أثراً مباشراً على الصحة النفسية والذهنية والأخلاقية للأطفال.
وتضيف أنّ «الظاهرة غالباً ما تكون منظّمة من قبل شبكات تستغلّ الأطفال بالاتفاق مع الأهل”، مشدّدة على أنّ الوقاية تبدأ بتطبيق القوانين التي تنص على حقوق الطفل، وإلزامية التعليم، وتأمين فرص عمل للراشدين، وتطبيق قوانين صارمة بحق كل من يستغل القاصرين.
التعليم الغائب... والدولة الغائبة
يشكّل تسرّب الأطفال من المدارس أحد أخطر جوانب الأزمة. فغياب التعليم لا يحرم الطفل من حق أساسي فحسب، بل يقطع الطريق أمام أي فرصة للإنقاذ وإعادة الاندماج في المجتمع.
وفي هذا السياق، تشير الاختصاصية التربوية خديجة فارس إلى أنّ «المدرسة لم تعد عامل جذب للأطفال الفقراء، في ظل عجزها عن تلبية حاجاتهم الأساسية، وغياب برامج الدعم النفسي والاجتماعي». وتعتبر أنّ مسؤولية الدولة لا تقتصر على سنّ القوانين، بل تبدأ بتأمين شبكة أمان اجتماعي حقيقية للعائلات، ودعم التعليم الرسمي، وتفعيل دور وزارة الشؤون الاجتماعية بالتعاون مع البلديات.
قوانين موجودة... وتطبيق غائب
رغم أنّ القوانين اللبنانية تجرّم استغلال الأطفال وتسوّلهم، إلّا أنّ تطبيقها يبقى محدوداً. فغالباً ما تُسجّل حملات ظرفية لإبعاد الأطفال عن الشوارع، من دون معالجة جذور المشكلة، ليعودوا بعد أيام إلى النقطة نفسها.
ويُذكر أنّه في السنوات الأخيرة عُقد لقاء وطني وتم تشكيل لجنة وطنية لمعالجة ظاهرة التسوّل، إلّا أنّ تغيّر الحكومات وتعطّل المؤسسات أدّيا إلى تجميد هذا المشروع، فيما بقي أطفال الشوارع يواجهون مصيرهم وحدهم، وتزداد أعدادهم يوماً بعد يوم.
وتؤكد منظمات حقوقية أنّ المقاربة الأمنية وحدها غير كافية، بل قد تزيد من هشاشة الأطفال إذا لم تترافق مع خطط حماية وإعادة تأهيل شاملة.
إلى أين الحل؟
يجمع الاختصاصيون على أنّ الحل يتطلّب مقاربة وطنية شاملة، تبدأ بدعم العائلات الأكثر فقراً، مروراً بإعادة دمج الأطفال في التعليم، وصولاً إلى ملاحقة شبكات الاستغلال بجدّية وحزم. كما يشدّدون على دور الإعلام في تسليط الضوء على القضية بعيداً عن التهويل أو التطبيع مع المشهد.
فأطفال الشوارع ليسوا أرقاماً ولا مشاهد عابرة، بل ضحايا واقع قاسٍ، ومسؤولية إنقاذهم تقع على عاتق الدولة والمجتمع معاً. فإمّا الاستثمار في حمايتهم اليوم، أو دفع ثمن الإهمال غداً.