اخبار لبنان

الصدارة نيوز

منوعات

العود: من آلة تقليدية إلى رمز موسيقي عالمي

العود: من آلة تقليدية إلى رمز موسيقي عالمي

klyoum.com

منار الأمير في حديثٍ خاص

في مساءٍ هادئ يشبه نبرة العود حين يستقر على مقامٍ دافئ، كان اللقاء مع الفنان منار الأمير أقرب إلى جلسة بوحٍ موسيقي منه إلى حوار تقليدي. لم يكن الحديث عن آلةٍ فحسب، بل عن كائن حيّ يسكن الذاكرة ويعيد تشكيلها مع كل لمسة ريشة.

يبدأ منار حديثه بنبرة واثقة، لكنها محمّلة بشيء من الحنين:

“العود ليس آلة تقليدية كما يقال… هو تاريخٌ يمشي بين أيدينا. حين تمسكه، أنت لا تعزف فقط، بل تلمس طبقات من الزمن، من بغداد العباسية إلى مسارح العالم اليوم.”

وحين يُسأل عن سر هذا الامتداد التاريخي، يتوقف قليلاً، كأنّه يستدعي صورة بعيدة، ثم يقول:

“العود وُلد في بيئةٍ حضارية عميقة، وتطوّر عبر عصور طويلة. في العصر العباسي، لم يكن مجرد آلة، بل كان مركزاً للفكر الموسيقي. أسماء مثل زرياب لم تغيّر شكل العود فقط، بل أعادت تعريف الموسيقى نفسها. إضافة وتر واحد في ذلك الزمن لم تكن تفصيلاً… كانت ثورة صوتية.”

يتحدث منار عن بنية العود كما لو أنه يصف عملاً فنياً دقيقاً:

“ما يميّز العود فعلاً هو أنه بلا دساتين، وهذا يمنحه حرية مطلقة. تستطيع أن تنزلق بين النغمات، أن تلامس أرباع الصوت بدقة لا تُصدق. هذه الحرية هي التي جعلته سيد المقامات. كل مقام يعيش على العود بشكل مختلف… كأنك تعيد خلقه في كل مرة.”

لكن الحديث لا يبقى في حدود التقنية، بل يتحول سريعاً إلى بعدٍ أكثر عمقاً.

“العلاقة بين العازف والعود علاقة شخصية جداً. أحياناً أشعر أن العود يفهمني أكثر مما أفهم نفسي. هناك لحظات لا تكون فيها أنت من يعزف… بل العود هو من يقودك.”

وعن انتقال العود إلى العالم، يبتسم منار وكأنه يرى الصورة كاملة:

“حين خرج العود من الشرق، لم يفقد هويته، بل أثّر في الآخرين. آلة اللوت الأوروبية هي امتداد له بشكل أو بآخر. وهذا دليل أن الموسيقى الصادقة لا تُترجم، بل تنتقل. اليوم، العود موجود في الجاز، في الموسيقى العالمية، وحتى في التجارب الحديثة… لكنه يظل محتفظاً بروحه.”

يؤكد منار أن هذا الانتشار لم يكن عشوائياً:

“العود استطاع أن يثبت نفسه لأنه مرن. يمكنه أن يدخل أي بيئة موسيقية دون أن يذوب فيها. وهذه قوة نادرة… أن تكون عالمياً دون أن تفقد أصالتك.”

وحين يُطرح عليه سؤال أخير: هل العود اليوم ما زال وفياً لماضيه؟

يجيب بهدوء عميق:

“العود لا يخون تاريخه… لكنه أيضاً لا يعيش فيه فقط. هو آلة تعرف كيف تتجدد. ربما لهذا السبب بقي حياً حتى الآن، وسيبقى. لأنه ببساطة… صوت الإنسان حين يبحث عن نفسه.”

ينتهي اللقاء، لكن يبقى شيءٌ معلق في الجو، يشبه وترًا لم يُطفأ بعد. ربما لأن الحديث عن العود، كما يقول منار الأمير، لا ينتهي… بل يبدأ من جديد مع كل عزف.

*المصدر: الصدارة نيوز | alsadaranews.com
اخبار لبنان على مدار الساعة