اخبار لبنان

لبنان الكبير

منوعات

فاجعة انهيار المباني تتكرّر في طرابلس…14 ضحية ونقمة شعبيّة وتلويح بالاستقالة

فاجعة انهيار المباني تتكرّر في طرابلس…14 ضحية ونقمة شعبيّة وتلويح بالاستقالة

klyoum.com

كان متوقّعًا أنْ يُستكمل مسلسل الإهمال في طرابلس، كما كلّ مرّة، ليشهد المواطن على تهاوي هيبة دولته وانهيار مبانيها المتهالكة تباعًا في المناطق والأحياء الشعبية دون إيجاد بديل يُؤوي الفقراء والمحتاجين، لكن لم يتوقّع أحد، أنْ يسقط مبنى جديد بعد مبنى القبّة في أقلّ من شهر، وأنْ يتحوّل يوم أمس، إلى يومٍ دمويّ وبائس في عاصمة الشمال، وأنْ ينهار، فجأة، مبنيان متلاصقان مأهولان بالسكّان في منطقة باب التبانة- شارع سوريا، دون أنْ تظهر مؤشرات واضحة، ودون أنْ يكونا مصنّفيْن ضمن قائمة المباني المهدّدة بالسقوط، وفقًا لشهادة الأهالي.

ومنذ ساعات وتحديدًا عند الساعة الرابعة والنّصف من عصر يوم الأحد، شهدت منطقة باب التبانة، وهي أفقر مناطق المدينة، فاجعة كبيرة تمثّلت بالانهيار الكبير للمبنى المؤلّف من قسميْن أساسًا، يضمّ كلّ منهما ستة طوابق. وبعد أربعين دقيقة من السقوط، تمّ إنقاذ ثلاثة مواطنين مبدئيًا. وفي نهاية هذه الحادثة، ارتفع عدد الضحايا إلى 14 شخصًا (بعد انتشال الجثة الأخيرة حوالي الساعة التاسعة من صباح الاثنين، وتعود لسيّدة كانت من بيْن المفقودين وعُثر عليها في الطابق الأوّل الذي كانت تُقيم فيه)، أمّا الجرحى، فبلغ عددهم 8، من بيْنهم ثلاثة أطفال، وبذلك بلغ مجموع الأشخاص الذين قُدّر وجودهم في المبنى 22 شخصًا، حسب إفادات الدّفاع المدني والأهالي.

وبعد تفتيش المبنى بالكامل ودخول عناصر الدّفاع المدني إليْه، أُعلنت نهاية عمليات البحث صباح اليوم الاثنين، إثر انتشال آخر جثة. وقد نُقل المصابون إلى مستشفى طرابلس الحكوميّ، حيث غادر بعضهم إيّاه، بينما ما زال آخرون يتلقّون العلاج ويُجرون عمليات جراحية.

صعوبات

بعد انتهاء عمليات البحث والإنقاذ، بدأ الدّفاع المدنيّ أعمال إزالة الركام، ولكن قبل هذه الخطوة، نذكر أنّ عمليات البحث عن المفقودين، واجهت صعوبات منذ لحظة الانهيار وتتلخّص في ما يلي:

أوّلًا، اندلع حريق في الطابق الأوّل الذي تأخّرت فيه عمليات البحث، نتيجة انفجار قوارير الغاز، ما أدّى إلى اشتعال النيران وانتشار الدخان في المنطقة، وتمّ إخماده لاحقًا بنجاح لمنع امتداده إلى المباني المجاورة. كما تمّ إخلاء المبنى المجاور للمبنى المنهار بالكامل، خشية تعرّضه للتشقّق والانهيار، ووصف المسؤولون وضعه بأنّه صعب جدًا.

ثانيًا، أدّى ازدحام الحركة حول المبنى، إلى تأكيد ضرورة ابتعاد المواطنين عن موقع الحدث لضمان سماع أصوات النّاجين، وكانت خطوة صعبة حينها.

ثالثًا، بعد دقائق من انهيار المبنى، سُمعت رشقات نارية أدّت إلى إبعاد الجميع، بمن فيهم عناصر الدّفاع المدني عن الموقع. وتبيّن أنّها ناتجة عن خلاف شخصيّ، إلا أنّ بعض المواطنين، قام بتأويلها على أنّها "فتنة طائفية" وقال إنّها صادرة من منطقة جبل محسن لقرب المبنى منها، ولكن اللافت أنّ عددًا من الضحايا، من أبناء الطائفة العلوية (حوالي ستة أشخاص).

رابعًا، كان هناك عدم توفّر لبديل في البداية، وقد لفت مواطنون إلى إمكانية فتح فندق كواليتي إنْ في المعرض كملجأ، كما فُتح لأهالي الجنوب أثناء الحرب، لكنّ تحدّثت المعطيات عن عدم جهوزيته لاستقبال المواطنين، إلا أنّ وزارة التربية خصّصت مبنى "الفندقية" في الميناء كملجأ مؤقّت يتسّع لنحو 40 عائلة تُقيم في مبانٍ مهدّدة، ممّا دفع المواطنين إلى التساؤل عن الإجراءات التي ستُتخذ بعد انتهاء هذه المرحلة المؤقتة.

غضب

شهدت شوارع طرابلس ليلًا، مسيرات غاضبة احتجاجًا على إهمال المدينة، حيث توجّه شبان على دراجات نارية نحو مكاتب ومنازل السياسيين وهم: كريم كبّارة، أشرف ريفي، ونجيب ميقاتي… وقاموا بتحطيم العوائق الحديدية أمامها. وقد قال أحد الشبّان لـ "لبنان الكبير": "لا فائدة من سياسيي طرابلس الذين لم يفوا بما عليهم تجاهنا، فقد ظُلمت طرابلس وأُهملت وهم يكتفون بالنّظر إلينا والتقاط الصور وإصدار بيانات لا طائل من ورائها ولا إنجاز فيها. اليوم، لن نسكت لأنّنا نموت بلا سبب، المبنى سقط دون سابق إنذار، ويجب أنْ يسقطوا هم أيضًا".

وقد دعا الكثير من المواطنين عبر "لبنان الكبير" إلى ضرورة إعلان ثورة شعبية ضخمة تُسقط النّظام اللبناني الذي أهمل طرابلس.

استقالة جماعية؟

نتيجة لهذه الصدمة والضغوط الشعبية، أعلن رئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة، عن وضع "استقالة المجلس البلدي الجماعية بتصرّف وزير الدّاخلية، ليس تهرّبًا من المسؤولية، بل لوضع الحكومة وأجهزتها أمام مسؤولياتها الكاملة تجاه هذا الوضع الخطير".

وأوضح كريمة أنّ "هذا الملف الموروث يفوق قدرات البلدية التي قامت أقصى ما يُمكن من خلال التعاون مع نقابة المهندسين وإعداد برنامج كول سنتر ومسح. ولكن اليوم كلّ المباني التي قمنا بمسحها إنّما هي جزء من عدد كبير من المباني".

وتأتي هذه الاستقالة، في وقتٍ يطرح فيه الطرابلسيون ألف علامة استفهام حول هذا الملف، متسائلين: "هل الانهيار مقصود وكان أحدهم يُكسّر أعمدتها الرئيسية؟ أم أنّه ناتج عن عوامل طبيعية؟"، كما أشار مواطنون آخرون إلى تواصلهم مع الخطّ الساخن للبلدية، دون تلقّي ردّ، فيما أكد آخرون أنّهم تلقّوا ردًا ولكن لم يُتخذ أيّ إجراء أو استجابة واقعية.

وفي حديثٍ مع عضو المجلس البلديّ، المحامي عبد الله زيادة، أكّد لـ "لبنان الكبير" أنّ البلدية كشفت فعلًا عن الأبنية المدرجة في الجدول، لكنّها لم تستطع معالجة أو كشف كلّ هذه الأبنية بسبب إمكانياتها المحدودة.

وقال: "البلدية متروكة حرفيًا، ونقابة المهندسين في طرابلس والشمال هي الجهة الوحيدة التي تقف معنا، ولكن للأسف أجهزة الدّولة لا تتذكّرنا إلّا بعد وقوع الفاجعة، ولا نطلب من الحكومة اليوم، سوى تنفيذ وعدها لنا بسرعة لتغطية تداعيات هذه الكارثة في المدينة المنكوبة حاليًا".

وأوضح زيادة أنّ المبنى لم يُصنّف ضمن المباني المهدّدة بالسقوط ليس لأنّه غير مهدّد بالانهيار كما يتداول بعض المواطنين، بل لأنّ المجلس البلدي السابق لم يكشف عليه، وكان من المفترض أن يتولّى المجلس الجديد الكشف عليه خلال الأيّام المقبلة. ويقع هذا المبنى، ضمن مهام اللجنة المختصّة بالكشف على المباني في شارع سوريا، لكن اللجنة لم تتمكّن من إنجاز ذلك بسبب ضخامة عدد الأبنية "ونحن بذلنا جهدًا كبيرًا ولكن المسؤولية يجب أنْ تتحمّلها الدّولة معنا أيضًا، ونحن نتلقّى المئات من الاتصالات عبر الخطّ الساخن من المواطنين الذين يشعرون بالهلع، ونحن نستجيب وهناك الكثير من الكشوفات التي قامت بها البلدية".

وعن الاستقالة، أضاف: "إنّها جدّية، وليست صورية، إنْ لم تستجب الحكومة لمطالبنا ووضعناها بتصرّف الوزير أحمد الحجّار لإيجاد حلّ سريع لهذا الملف، وحسب المعلومات، فإنّ رئيس البلدية سيجتمع مع رئيس الحكومة نوّاف سلام، وقد تكون هذه الحكومة واعية لمطالبنا الوطنية فعليًا، لكن هذا الأمر لا يكفي، ونريد تحرّكات فعلية وعملًا لا بيانات وموازنات".

التحقيقات والتشييع

حتّى اللحظة، التحقيقات ما زالت مفتوحة وأهالي الضحايا تجمّعوا أمام مستشفى طرابلس الحكوميّ استعدادًا للتشييع.

بيانات

طلب رئيس الحكومة نوّاف سلام من رئيس الهيئة العليا للإغاثة، الذي كان يُرافقه في جولته الجنوبية، أنْ يتوجّه مباشرة من النبطية إلى طرابلس لتنسيق جهود الإغاثة. كما طلب من مسؤول وحدة الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء أن ينتقل بدوره فورًا إلى طرابلس. وتواصل مع وزير الداخلية الذي أصدر توجيهاته لمدير الدّفاع المدني بالتوجه أيضًا إلى المدينة، واتصل بوزير الصحة ركان ناصر الدّين بهدف تجنيد كلّ إمكانات الدولة للتصدّي لتداعيات هذه الكارثة الإنسانية”.

وقال: "أؤكّد أنّ الحكومة على كامل الجهوزية لتقديم بدلات الإيواء لكلّ سكان المباني المطلوب إخلاؤها، وتوفير الأموال الضرورية للمباشرة بتدعيم الأبنية المطلوب تدعيمها فورًا، وفق ما تمّ الاتفاق عليه في الاجتماع الذي عقدناه في السراي الكبير لهذه الغاية منذ أسبوعيْن. أمّا هوّية هذه الأبنية وعددها ودرجة الخطر الذي تُشكّله على شاغليها، فهذا أمر تُحدّده بالدّرجة الأولى السلطات المحلّية".

رئيس الجمهورية، جوزاف عون، أعطى توجيهات بإلغاء مراسم التشريفات والموسيقى المقرّرة باحتفال عيد مار مارون اليوم، بما فيها مظاهر التكريم، تضامنًا مع معاناة أبناء طرابلس والجنوب.

أمّا وزير الداخلية، فقال: "أتابع الوضع في طرابلس منذ لحظة حدوث كارثة انهيار المبنى وتمّ تأمين أموال من قبل الهيئة العليا للإغاثة". ومن طرابلس، أضاف الحجّار: "يوجد داتا عن الأبنية التي تُعاني من مشكلات وسنقوم بمسح إضافيّ لتغطية كلّ المدينة. إنْ كان هناك أيّ تقصير فنحن نعتذر عنه. ونقول لطرابلس الدّولة إلى جانبكم وهناك تراكم ومشاكل من سنوات طويلة ومسؤوليتنا أنْ نكون حاضرين".

كما تواصل وزير العدل عادل نصّار، مع المدّعي العام الاستئنافي في الشمال هاني الحجار، طالبًا "فتح تحقيقات فورية لكشف ملابسات الحادث، وتحديد المسؤوليات، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، بما يضمن تحقيق العدالة". وقد أعاد الحجّار الاتصال بالوزير نصّار مؤكّدًا له مباشرة الإجراءات.

دينيًا، تفقّد السفير البابوي في لبنان المونسنيور باولو بورجيا برفقة مفتي طرابلس والشمال الشيخ محمّد إمام والمطرانين يوسف سويف وادوار ضاهر المبنى، وأعلن عن نيّة عقد مؤتمر سريع يُعالج معضلة المباني المتصدّعة في طرابلس.

*المصدر: لبنان الكبير | grandlb.com
اخبار لبنان على مدار الساعة