في واقع أنهكته التجارب الفاشلة... هل يكون الدعم القطري آخر «حقنة بنج» في جسد الكهرباء الميت؟
klyoum.com
أخر اخبار لبنان:
توقيف ثلاثة أشخاص وضبط أسلحة في هذه المنطقة!نوال أبو حيدر
في لبنان، لم يعد ملف الكهرباء مجرد قطاع خدماتي متعثّر، بل تحوّل إلى عنوان دائم للأزمات المزمنة وسوء الإدارة والهدر المستمر. وبعد عقود من الوعود والمشاريع غير المكتملة، بات اللبنانيون يتعاملون مع أي إعلان عن دعم جديد بحذر شديد، إذ لم تعد الأرقام ولا البيانات الرسمية كافية لإقناعهم بإمكانية التغيير. وفي هذا السياق، يبرز الدعم القطري لقطاع الكهرباء كاختبار جديد لمدى قدرة المساعدات الخارجية على إحداث فرق فعلي في واقعٍ أنهكته التجارب الفاشلة.
ليس السؤال اليوم ما إذا كان لبنان يحصل على دعم لقطاع الكهرباء، بل ما إذا كان هذا الدعم قادرا فعلا على كسر حلقة الوعود المكررة. لأنه بالنسبة للمواطن اللبناني، لا تقاس الوعود بعدد المشاريع المعلنة ولا بحجم المبالغ المرصودة، بل بالنتيجة الوحيدة التي تعنيه: كهرباء متواصلة تنهي التقنين وتخفف الاستنزاف اليومي الناتج عن الاعتماد على المولدات الخاصة. وبين هذا المطلب البديهي وسجل طويل من الأموال التي صرفت من دون تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار الكهربائي، يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن لهذا الدعم أن يترجم تحسّنا فعليا في التغذية الكهربائية، أم أنه سينضم إلى سلسلة طويلة من المبادرات التي لم تنجح في إخراج لبنان من عتمته المزمنة؟
الخوري: القدرة موجودة... لكن الخلل في الإدارة
من هذا المنطلق، يقول أمين سر فرع لبنان في مجلس الطاقة العالمي، المهندس بيار الخوري لصحيفة «اللواء» إن «لبنان يملك اليوم القدرة الإدارية والتقنية والرقابية لتحويل الدعم القطري لقطاع الكهرباء إلى تحسن فعلي، إلّا أن هذه القدرة لم تفعّل بعد. فاليوم، لا شيء مستحيل في قطاع الكهرباء، والحلول فيه سهلة ومتاحة.
لكن الأهم من ذلك أن القطاع يواجه خللا بنيويا في مؤسسة كهرباء لبنان، وأي ليرة تدفع اليوم في هذه المؤسسة نكون عمليا نحرقها. لذلك، لا بد من إعادة إنتاج مجلس إدارة جديد للمؤسسة، بهدف خلق نبض جديد وضخ دم جديد فيها».
ويتابع: «بناء على ما أراه من الدعم القطري، فهو دعم زائل، أشبه برمي المال في المياه، ولا أعتقد أنه سيؤدي إلى تحسّن فعلي في ملف الكهرباء. ولا سيما أن المطلوب ليس تأمين عدد معيّن من ساعات التغذية، بل أن تكون مؤسسة كهرباء لبنان مسؤولة بالكامل عن القطاع، وقادرة على تأمين الكهرباء للمواطنين على مدار 24/24».
ويختم الخوري: «إن الطلب على الكهرباء في لبنان منخفض نسبيا، إذ يتراوح بين 2000 و2200 ميغاوات فقط، أما ما يجري من تضخيم للأرقام فليس سوى محاولة لتبرير العتمة. إلّا أن نيّة العمل الجديّ لتأمين الكهرباء للمواطن غير موجودة لدى مؤسسة كهرباء لبنان، وبالتالي هنا يجب تصويب النقاش ووضع الإصبع على مكمن الخلل الحقيقي».
القيسي: لا ضمانة سياسية لنجاح الدعم
من جهتها، تشرح الخبيرة في شؤون حوكمة الطاقة ديانا القيسي أن «لبنان يملك القدرة التقنية والبشرية، وإن كان ذلك بشكل جزئي، وهي متوافرة داخل مؤسسة كهرباء لبنان وفي المنشآت القائمة والموجودة حاليا. إلّا أن القدرة الإدارية والرقابية لا تزال، حتى هذه اللحظة، الحلقة الأضعف. وعليه، فإن أي دعم قد يأتي من الممكن ألا يرفع مستوى التغذية، ما لم يصمم ضمن برنامج مُحكم ومضبوط، ومشروط بمؤشرات أداء واضحة. أما إذا دخلنا عبر القنوات نفسها التي أُدير بها القطاع سابقا، فإن المخاطر سترتفع، وكذلك الهدر».
وفي سياق متصل، ولضمان عدم إعادة إنتاج تجربة الهدر السابقة في قطاع الكهرباء، ولترجمة أي دعم إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن اللبناني، توضح أنه «لا وجود لأي ضمانة سياسية تلقائية، بل إن الضمانة الوحيدة اليوم تكمن في وجود تصميم تنفيذي واضح، والأهم من ذلك رقابة صارمة جدا، وهذا يعني أن أي نوعا من الدعم يجب أن يخضع لشروط وآليات محددة، تبدأ بمراقبة وجهة الصرف وكيفية إنفاق هذا الدعم بدقّة. كما يجب أن يكون التمويل مجزّأ، لا أن يعطى دفعة واحدة، بما يتيح التأكّد من وجود مؤشرات أداء تظهر حصول تغيير فعلي».
وتتابع القيسي: «لا بد من اعتماد تدقيق مالي وفني مستقل، إلى جانب رقابة مؤسساتية محلية فاعلة. وفي موازاة ذلك، يجب التركيز على تخفيف الهدر البنيوي والهدر غير التقني، ومعالجة مشكلة عدم الجباية. إضافة إلى ما سبق، فإن الإطار التنظيمي المرتبط بتطبيق القانون 462، ولا سيما فيما يتعلق بطريقة إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، يجب أن يستكمل ويطبق بالكامل».
شروط نجاح الدعم..!
وعن ما إذا كان الدعم القطري سيترجم تحسّنا فعليا في قطاع الكهرباء أم سينضم إلى سلسلة طويلة من الأموال التي صرفت على هذا القطاع من دون تغيير واقع العتمة، تشدّد القيسي على أن «الجواب مشروط، فمن الممكن أن يظهر تحسّن إذا جرى توجيه جزء من الدعم نحو التشغيل والوقود وأعمال الصيانة التي تعيد وحدات الإنتاج إلى الخدمة، إضافة إلى تحسين اعتمادات الشبكة التي تعاني اليوم نقصا واضحا وتتطلب تطويرا وتحسينا، إلى جانب تعزيز إجراءات الجباية وخفض الخسائر».
وتتابع: «الدعم القطري يمكن أن يشكل رافعة لتحسين التغذية، إلّا أنه لن يكون الحل بحد ذاته، لأن الحل لا يكمن في الدعم فقط. فالنجاح الحقيقي يكمن في تحويل هذا الدعم إلى برنامج واضح، يقاس بنتائج ملموسة، ويراقَب بشفافية، وينفذ ضمن إطار خال من الخلل البنيوي نفسه الذي كان قائما في السابق».
التجارب السابقة... تهدّد القطاع!
في المقابل، تؤكد أن «احتمالات تكرار التجارب السابقة التي أدّت إلى الانهيار التام لهذا القطاع لا تزال كبيرة، إذ إن العوامل نفسها ما زالت قائمة، والبيئة الحاضنة لها موجودة، كما أن المناكفات السياسية لا تزال مستمرة».