اخبار لبنان

لبنان الكبير

منوعات

ارتفاع الـTVA: هل سيؤثر على مائدة الصائم؟

ارتفاع الـTVA: هل سيؤثر على مائدة الصائم؟

klyoum.com

عايدت الحكومة اللبنانية شعبها بقدوم شهر رمضان الفضيل بسلسلة قرارات مالية تنذر بموجة غلاء جديدة، أبرزها رفع سعر البنزين وزيادة ضريبة القيمة المضافة إلى 12%. هذه الإجراءات لا تصيب بنداً واحداً في حياة اللبنانيين، بل تمتدّ تلقائياً إلى مختلف مفاصل الاقتصاد، لأن رسم استهلاك البنزين يطال كامل سلسلة الإنتاج والتوريد، من كلفة النقل المشترك والخاص إلى نقل البضائع وتأمين تنقّل العمال، ما يعني ارتفاعاً شبه شامل في أسعار السلع والخدمات. وفي ظلّ طبيعة الطلب على المحروقات الذي يتسم بضعف مرونته، لن يؤدي ارتفاع أسعارها إلى تراجع استهلاكها، بل إلى استنزاف أكبر لمداخيل الأسر، التي ستضطر إلى تقليص إنفاقها على حاجات أخرى لتعويض الفارق.

إلى جانب ذلك، تأتي زيادة ضريبة القيمة المضافة بنسبة 1% لتضغط مباشرة على القدرة الشرائية، إذ تنتقل تلقائياً إلى الأسعار النهائية وتغذّي معدلات التضخم التي لم تهدأ بعد. عملياً، تتحمّل الأسر عبئاً مزدوجاً: تضخماً متجدداً وكلفة معيشية أعلى، في وقت يتزامن فيه ذلك مع بداية شهر رمضان، حيث ترتفع بطبيعتها نفقات الغذاء والاستهلاك اليومي. ومع ازدياد أسعار السلع الأساسية، ستجد العائلات نفسها أمام موائد أكثر كلفة وأصناف أقل، فيما يواجه المواطن الصائم معادلة قاسية بين الحفاظ على تقاليد الشهر ومتطلبات المعيشة الضاغطة. هكذا، لا يقتصر أثر القرارات على الأرقام والنسب، بل يمتدّ مباشرة إلى تفاصيل الحياة اليومية، من لقمة الإفطار إلى القدرة على تأمين احتياجات الأسرة طوال الشهر.

فكيف سيؤثر قرار الحكومة على أسعار السلع؟

يقول الخبير الاقتصادي عماد عكوش عبر "لبنان الكبير": "مع إقرار رفع الضريبة على القيمة المضافة من 11% إلى 12%، بالتوازي مع زيادة سعر البنزين ورفع الرسوم على الحاويات القادمة إلى مرفأ بيروت، يبدو الأثر النظري للقرارين محدوداً من الناحية الحسابية. إلا أن الواقع اللبناني لا يُقاس فقط بالأرقام، بل بمدى قدرة الدولة على ضبط السوق ومنع الاستغلال، خصوصاً في ظل غياب أجهزة رقابة فاعلة وهيمنة شبكات احتكارية على سلاسل الاستيراد والتوزيع".

ويؤكد أن "رفع الضريبة على القيمة المضافة نقطة مئوية واحدة يعني زيادة تقارب 0.9% على السعر النهائي السابق للسلع الخاضعة للضريبة. أما الخضار والفواكه الطازجة المباعة بحالتها الطبيعية فهي، في الأصل، معفاة من هذه الضريبة، ما يعني أنها لا تتأثر مباشرة بهذا التعديل. لكن هذا التحليل يبقى نظرياً، إذ يفترض وجود سوق تنافسية شفافة تلتزم بهوامش ربح طبيعية".

ويوضح عكوش أن "زيادة سعر البنزين تؤثر عبر كلفة النقل من المزرعة إلى سوق الجملة ثم إلى المتاجر. وعلى الرغم من أن هذه الزيادة لا تعني حكماً ارتفاعاً كبيراً في السعر النهائي، إلا أنها تشكّل ذريعة جاهزة لرفع الأسعار في بيئة سوقية غير منضبطة"، لافتاً إلى أن "التحدي الحقيقي لا يكمن في نسبة الضريبة أو في كلفة الليترات، بل في بنية السوق اللبنانية نفسها. فالسوق اللبناني يعاني من عدة أمور، منها:

ضعف أجهزة الرقابة وعدم فعاليتها.

غياب تسعير واضح وشفاف.

سيطرة مجموعات احتكارية (كارتلات) على الاستيراد والتوزيع في عدد كبير من السلع الغذائية.

سوق يتسم بضعف المنافسة وارتفاع هامش الربح مقارنةً بحجم الاقتصاد".

ويشير إلى أنه "في مثل هذا المناخ، غالباً ما تتحول أي زيادة ضريبية، حتى ولو كانت محدودة، إلى فرصة لرفع الأسعار بنسبة أكبر بكثير من كلفتها الحقيقية. التجارب السابقة في لبنان أظهرت أن التجار يميلون إلى تسعير استباقي ومبالغ فيه، مستندين إلى ذريعة ارتفاع التكاليف. وبالتالي، من غير المستبعد أن نشهد زيادات قد تتجاوز بكثير نسبة 1% النظرية، وقد تصل في بعض الحالات إلى نسب مضاعفة، خصوصاً في السلع الغذائية الأساسية، بما فيها الخضار وحتى ربطة الخبز التي تشكل مكوّناً رئيسياً في الصحن اليومي، ولا سيما في شهر رمضان حيث يرتفع الطلب الاستهلاكي.

فخلال شهر رمضان، يرتفع استهلاك الخضار بشكل ملحوظ. ومع تزايد الطلب، تصبح السوق أكثر عرضة للمضاربات ورفع الأسعار، خصوصاً في ظل:

ضعف الرقابة التموينية.

عدم ضبط هوامش الأرباح.

غياب المنافسة الحقيقية.

وهنا تكمن الخطورة، فالزيادة قد لا تعكس كلفة فعلية، بل استغلالاً لظرف اقتصادي وطلب موسمي مرتفع.

نظرياً، رفع ضريبة القيمة المضافة بنسبة نقطة مئوية واحدة لا يبرر قفزات سعرية كبيرة، والخضار الطازجة ليست خاضعة للضريبة أصلاً. وعملياً، كلفة البنزين لا تبرر زيادات بعشرات النسب المئوية. لكن في سوق يعاني من ضعف الرقابة ووجود احتكارات قوية، تتحول أي زيادة رسمية محدودة إلى مبرر لرفع الأسعار بنسب تفوق الكلفة الحقيقية بكثير"، مؤكداً أن "التحدي اليوم ليس في القرار الضريبي بحد ذاته، بل في قدرة الدولة على ضبط السوق ومنع استغلال المواطن، خصوصاً في موسم حساس اجتماعياً واقتصادياً كشهر رمضان، حيث يصبح صحن الفطور اليومي مؤشراً مباشراً على العدالة الاقتصادية أو غيابها".

حتى الآن، لم يشهد الصائم ارتفاعاً جنونياً في الأسعار في الأيام الأولى من الشهر الكريم. لكن في لبنان لا ينتظر التاجر قراراً من الدولة لرفع أسعار المنتج، فهو عند أي مناسبة يهرع إلى الاحتكار. أما اليوم، فهذا التاجر يتمتّع بذريعة "شرعية" بطلتها "الدولة" ليحرّك الأسعار كما يريد، وإن سُئل عن ذلك يقول: "الحق على الدولة، أنا ما خصّني".

هنا لا نبرر أفعال الدولة وقراراتها التي ستُغرق الفقير أكثر فأكثر، فكلاهما مذنب.

فهل سيطعن النواب بهذا القرار ويهدّئون من روع المحتجين، ويبقى ارتفاع الأسعار مرتبطاً فقط بارتفاع البنزين؟ أم أنهم سيوافقون على قرارات الحكومة ويؤجّجون الشارع أكثر فأكثر؟

*المصدر: لبنان الكبير | grandlb.com
اخبار لبنان على مدار الساعة