اخبار لبنان

ام تي في

سياسة

دير الأحمر تحت ضغط النزوح: إنسانية الأهالي في مواجهة غياب الدولة

دير الأحمر تحت ضغط النزوح: إنسانية الأهالي في مواجهة غياب الدولة

klyoum.com

فرضت الحرب على منطقة دير الأحمر التي اعتادت أن تعيش على إيقاعها الهادئ، إيقاعًا مختلفًا محمّلًا بالقلق. فجأةً لم تعد الأزقة والشوارع تعرف وجوه أبنائها فقط، بل امتلأت بوجوه متعبة حملت معها حكايات نزوح قسري، وهروبًا من نار لا ترحم. لم يكن النزوح إلى دير الأحمر خيارًا بقدر ما كان ملاذًا، فرضته الغارات والتهديدات، حيث وجدت المنطقة نفسها أمام اختبار إنساني صعب: كيف تستوعب العدد المتزايد من النازحين، في ظلّ إمكانيات محدودة ودولة غائبة وعاجزة، ولها في الحرب السابقة تجربة مريرة؟

بين المنازل التي فتحت على عجل، والمدارس والقاعات والكنائس التي تحوّلت إلى مراكز إيواء، تتداخل المشاعر بين خوف المقيمين ووجع الوافدين، لتتشكّل صورة تختصر واقع منطقة بأكملها تعيش على حافة الانفجار. هنا، لا تقتصر الحكاية على أرقام أو إحصاءات، بل على تفاصيل يوميّة تروى بعيون من فقدوا بيوتهم، أو هربوا خوفًا من جحيم الغارات، وبقلوب من يحاولون احتواء ما يمكن احتواؤه، لتخفيف الوجع والوقوف قدر الإمكان إلى جانب أبناء المنطقة.

مع اتساع رقعة التهديدات والإنذارات بالإخلاء منذ اليوم الأول، زادت نسبة الوافدين نحو دير الأحمر خلال أيام قليلة بشكل لافت لتفوق قدرة المنطقة على الاستيعاب. أكثر من ثمانية آلاف نازح في منطقة دير الأحمر من بوداي، فلاوى، شمسطار، وادي أم علي، دورس، موزعين على مراكز الإيواء في دير الأحمر، شليفا، برقا، وبشوات، إضافة إلى المنازل، الأمر الذي عكس حجم الضغط المفاجئ الذي فرض، في ظلّ غياب أي خطة مركزية واضحة لإدارة الأزمة.

الدولة بدت غائبة منذ ثلاثة أسابيع حتى اليوم، أو عاجزة عن مواكبة الأزمة، ما وضع العبء الأكبر على عاتق اتحاد البلديات والبلديات المستضيفة. ورغم الإمكانيات المحدودة تحاول قدر المستطاع تأمين الاحتياجات الأساسية بالتعاون مع بعض الجمعيات المحلّية والأجنبية. إلّا أن حجم الأزمة يبقى أكبر من قدرة أيّ جهة على تحمّله، ما يطرح تساؤلات جديّة حول مدى القدرة على الاستمرار إذا طال أمد النزوح.

في خضمّ هذا المشهد، يبرز صوت الكنيسة كأحد الأصوات الحاضرة في مواجهة الأزمة. راعي أبرشية بعلبك ودير الأحمر للموارنة المطران حنا رحمة الذي واكب منذ اللحظة الأولى تدفق النازحين يقول لـ نداء الوطن إننا أمام مفترق كبير، والخوف على المجتمع من الانهيار أو الخراب، فالحرب الدائرة تدور في بلد ليس قادرًا على تحمّلها، فالوضع الاقتصادي المنهار يستدعي السلم لا الحرب لتحصين المجتمع، وما أراه اليوم أن من يدخل المعركة عليه أن يحسب حسابات ذلك، ويقدّر مقدرات خصمه، فليس المهم أن أقاتل بل المهمّ أن أنتصر، متمنيًا أن ينتصر لبنان لا أن ينهار.

ولأننا على شفير الانهيار، أكد رحمة أنه على اللبنانيين الوحدة لمصلحة لبنان والخير العام. وأبدى رحمة انزعاجه من كمية الحقد التي تبث عبر وسائل التواصل الاجتماعي. أضاف: نحن غير قادرين على الصمود، موجّهًا كلامه إلى الدولة، والمسؤولين عن الحرب سائلًا: ماذا قدّمت لي كي أحميك وأؤمّن لك ظهرًا؟ من دخل الحرب عليه تحمّل المسؤولية... لم يعد مقبولًا ما نسمعه من عبارات التهديد والوعيد بدنا نفرجيكن بعد ما تخلص الحرب... فرجيتني المآسي.

من جهتها، تجد بلدية دير الأحمر وبلديات الاتحاد نفسها في خط المواجهة مع الأزمة، فالضغط يتجاوز القدرات وقدرة الاستيعاب باتت شبه مكتملة. وفي ظلّ هذا الواقع، يشير رئيس اتحاد بلديات دير الأحمر هنري فخري إلى أن أكثر من ثمانية آلاف نازح موزعون على مراكز الإيواء والمنازل، والوضع الأمني مضبوط ولم يسجل أي احتكاك أو خلاف منذ بداية الأزمة، والأمور تسير وفق النظام الذي وضعه الاتحاد.

أضاف، لقد بدأت الأزمة منذ ثلاثة أسابيع ولم نر سوى بعض الجمعيات، فيما الدولة شبه غائبة. بعض الجمعيات تقدّم مواد غذائية، أمّا المحروقات فوصلنا منذ اليوم الأول ثلاثة آلاف ليتر فيما صرف في مركز إيواء واحد ثمانية آلاف ليتر، وفي مركز آخر تسعة آلاف. وأكد أنه إذا بقي الوضع كما هو عليه فسنضطر بعد أيام للتوقف عن التدفئة والإنارة، وفي حال لم تعد الجمعيات تقدّم الأكل فنحن مقبلون على أزمة غذائية أيضًا.

وأشار إلى أن عدم تدخل الدولة سيؤدي إلى مضاعفة الأزمة، كما لفت إلى غياب تقديمات مواد التنظيف والمعقمات، وهي حاجة ملحّة بسبب الاكتظاظ، ما يسبّب أمراضًا وأوبئة، بدأت تظهر من خلال أول إصابة صفيري في مركز مار نهرا قرب الكنيسة.

وبعيدًا من الأرقام والتقديرات، تبقى الحكاية التي يرويها النازحون أنفسهم، الأكثر تعبيرًا عن هواجسهم وقلقهم الذي لا يغيب، فتقول م. عساف ابنة بلدة بوداي لـ نداء الوطن: أنا أم لخمسة أولاد، وأكثر ما يخيفني عدم القدرة على تعليمهم... رغم كلّ شيء أحاول تحفيزهم على الدراسة. أضافت: الوضع ليس سهلًا، عانينا من شحّ المياه وكلّما سمحت لنا الظروف، أتوجّه إلى بلدتي للاستحمام.

وبين صمود الأهالي في دير الأحمر حيث تتقدّم الإنسانية، ووجع النازحين الذين غادروا منازلهم على عجل، يطول الانتظار لدور غائب، فيما يكبر الخوف من أن يتحوّل هذا الاحتواء الموقت إلى واقع دائم، يتجاوز قدرة بلدة على تحمّله ويضع منطقة أمام تحدٍ مفتوح على كلّ الاحتمالات.

*المصدر: ام تي في | mtv.com.lb
اخبار لبنان على مدار الساعة