لماذا تؤدي باكستان دور "الإطفائي" في الحرب؟
klyoum.com
أخر اخبار لبنان:
منظمة الصحة العالمية: مقتل 51 عاملا طبيا في لبنان هذا الشهربرزت في الآونة الأخيرة حماسة باكستانية شديدة للعب دور الوسيط في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية. لباكستان، الدولة المترامية الأطراف في جنوب آسيا، والتي تُعدّ جسرًا طبيعيًا يربط جنوب القارة بوسطها وبالشرق الأوسط، والتي وضعتها لعنة الجغرافيا على حدود مضطربة مع إيران، هواجس أمنية ودينية ومذهبية وانفصالية، تؤرق صناع القرار في إسلام آباد في أيام السلم، فكيف سيكون عليه الحال عندما تكون جارتهم الجنوبية - الغربية في قلب حرب وجودية مع قائد سفينة العم سام ورأس الحكومة اليمينية الإسرائيلية.
تُعتبر باكستان موطن الخزّان البشري الشيعي الثاني في العالم بعد إيران، وكانت شهدت غليانًا للشارع الشيعي غداة انطلاق الحرب ضدّ نظام الملالي، ومقتل خامنئي الأب. بالتالي، تنظر إسلام آباد بعين استراتيجية ثاقبة إلى ما يدور على تخومها، وما يمكن أن ينتظرها في حال سقط نظام الملالي كليًا ودبّت الفوضى على حدودها، وهي تدرك خير إدراك أن هذه الفوضى لن تُحصر داخل الحدود الإيرانية، بل ستتعدّاها حتمًا إلى دول الجوار، ومن بينها باكستان. لذلك، تجهد الدبلوماسية الباكستانية للعب دور الإطفائي في الحرب الدائرة، خشية تمدّد نارها إلى أرضها الخصبة، خصوصًا أن إسلام آباد تخوض صراعًا لامتناهيًا مع حركة طالبان الأفغانية الممسِكة بزمام السلطة في أفغانستان المجاورة، كما تعاني الأمرّين من حال التمرّد المستمرّة منذ عقود في إقليم بلوشستان في جنوب غربي البلاد، المتداخل مع الحدود الإيرانية.
تتسلّح باكستان في مساعيها التفاوضية بين واشنطن وطهران بصدقية استثنائية، تتيح لها أن تكون وسيطًا مقبولًا من كلا الجانبين، لا بل موثوقًا به. فمن ناحية، لا تستضيف باكستان أي قواعد أميركية على أراضيها. ومن ناحية ثانية، ترنو إسلام آباد من خلال جهودها التوسّطية إلى اكتساب سمعة دولية مرموقة تضعها في مصافّ الدول الكبرى المؤثرة في مجريات أحداث العالم وفي رسم سياسات الدول، من خلال تأديتها دور الوسيط والمحايد المقبول من الجارة الإيرانية. كذلك تطمح باكستان إلى توطيد علاقاتها مع قاطن البيت الأبيض، بعدما ظفر قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير بتوثيق علاقته مع الرئيس ترامب، بغية ترميم الثقة التي اهتزت لسنوات خلت بين إسلام آباد وواشنطن. يُضاف إلى ذلك، انضمام باكستان إلى مجلس السلام، مولود ترامب الجديد الذي أفرزته حرب غزة، بعدما اجتمع منير مع ترامب في دافوس في كانون الثاني المنصرم. بذلك غدت باكستان أحد أبرز حلفاء واشنطن في جنوب آسيا، بعدما وُصمت على مدى عقود بأنها دولة تعاني من اضطرابات داخلية وحدودية مع جيرانها.
لا يغيب عن الحسابات العسكرية والاستراتيجية الدقيقة أيضًا، أن باكستان هي الدولة السنية الممسِكة بزرّ القنبلة النووية، على حدود إيران الشيعية الطامحة إلى حيازة قنبلة نووية، وفي الوقت عينه، تُعدّ إسلام آباد أقلّ جيران طهران عداءً لها، وتكمن قوّتها في علاقاتها الوثيقة المشبوكة بعناية مع الرياض، خصم طهران التاريخيّ. وهنا لا بدّ من التذكير بأن السعودية وباكستان، أبرمتا اتفاقًا دفاعيًا مشتركًا في 17 أيلول عام 2025، والذي ينصّ على تقديم كلا البلدين المساعدة للآخر، وهو أمر يرخي بثقله العسكري على حسابات الدول كافة في المنطقة.
يبقى أن باكستان تزن مساعيها التفاوضية بين واشنطن وطهران بميزان من ذهب، وهي المدرِكة أن إيران المفكّكة والمثخنة بجراح الحرب، أشدّ خطرًا عليها من إيران القوية والمتماسكة، لذلك تعي أن صدى صوت المدافع المتأتي من جوارها، سيمسّ لا محالة أمنها القومي عاجلًا أم آجلًا، وأن خريطة المنطقة التي يُعاد رسمها بالحديد والنار، لا مكان فيها للحياد الجغرافي.