طهران تشدد قبضتها على الحزب
klyoum.com
كتب طارق أبو زينب في صحيفة “نداء الوطن” أن إعادة تشكيل القيادة العسكرية والأمنية في إيران تتجاوز كونها محاولة لسد الفراغ الذي خلفته الحرب ووفاة المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، لتكشف عن تحول جوهري في مركز القوة داخل النظام الإيراني باتجاه الحرس الثوري والأجهزة الأمنية. ففي 10 أغسطس 2026، أكد المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي تعيين أحمد وحيدي قائداً عاماً للحرس الثوري، وحسين طائب قائداً لقوات الباسيج، ما يعكس بوضوح تعزيز نفوذ الرجال الاثنين ضمن الهيكل الأمني الجديد وعودة السلطة العسكرية والأمنية إلى صلب صنع القرار في البلاد.
ويحمل اختيار وحيدي بعداً خاصاً نظراً لتاريخه العسكري الطويل، حيث شغل سابقاً قيادة “قوة القدس” ووزارة الدفاع إلى جانب مناصب أمنية وعسكرية رفيعة. أما عودة حسين طائب فتكتسب أهمية أكبر على الصعيد الأمني، خاصة أنه ترأس منظمة استخبارات الحرس الثوري بين عامي 2009 و2022، قبل أن يصبح مستشاراً لقائد الحرس. وتشكل هذه التعيينات مزيجاً بين القيادة العسكرية المباشرة والخبرة الاستخباراتية المتعمقة، في سياق إعادة طهران بناء منظومتها الأمنية.
سجل طائب لا يقتصر على الداخل الإيراني، إذ قام في يوليو 2021 بزيارة بغداد بوصفه رئيس منظمة استخبارات الحرس الثوري، التقى خلالها مسؤولين عراقيين وقيادات الحشد الشعبي وفصائل مسلحة مرتبطة بإيران، ناقش خلالها الوجود العسكري الأميركي والهجمات على المصالح الأميركية، ما يعكس دوره الفاعل في الملفات الإقليمية الحساسة وارتباطه بشبكة القوى المسلحة المدعومة من طهران.
مصادر دبلوماسية غربية تشير إلى وجود تباين حاد داخل مركز القرار الإيراني حول إدارة المرحلة الراهنة. التيار الأكثر تشدداً يدعو إلى مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، وزيادة الضغط على المصالح الأميركية وحلفائها في المنطقة، مع إبقاء خيار التصعيد في الخليج وارداً، بالإضافة إلى تعزيز القدرات العسكرية والنفوذ الإقليمي. في المقابل، يؤمن تيار آخر بأن التفاوض والمرونة أدوات يمكن اللجوء إليها لتخفيف التوتر ومنع توسع الصراع. هذا الخلاف يمتد إلى مستقبل دور المؤسسات الأمنية والعسكرية وحدود استخدامها في رسم السياسة الخارجية.
في بيروت، تصبح هذه التطورات ذات حساسية مضاعفة، إذ يشكل الحرس الثوري العمود الفقري للبنية العسكرية لـ”حزب الله”. وفق مصادر مطلعة، أرسل الحرس نحو مئة ضابط إلى لبنان بعد وقف إطلاق النار عام 2024، بهدف إعادة تدريب مقاتلي “الحزب”، والإشراف على إعادة التسلح وتنظيم هيكله العسكري في وحدات أكثر لامركزية. وأوضحت المصادر أن “الحزب” أعاد تقوية جزء من قدراته بدعم إيراني خلال الأشهر التي تلت ذلك.
مصادر دبلوماسية غربية تؤكد أن حسين طائب كان مشاركاً في النقاشات الإيرانية المتعلقة بإعادة هيكلة “حزب الله”، وأن الدائرة الأمنية في طهران تمسكت بالحفاظ على البنية العسكرية للحزب ورفضت أي مسعى لتقييد سلاحه. وتعتبر طهران سلاح “الحزب” جزءاً لا يتجزأ من منظومة الردع والنفوذ الإيراني في المنطقة، وليس مجرد قضية لبنانية داخلية.
من جهة أخرى، ينعكس التشدد الإيراني على قيادة “الحزب” أيضاً. فبعد مقتل حسن نصرالله، يواجه نعيم قاسم تحدياً معقداً يجمع بين الحفاظ على الارتباط الاستراتيجي بطهران والتعامل مع الضغوط اللبنانية والدولية للحد من حكم السلاح في يد الدولة. مصادر دبلوماسية ترى أن طائب لا يعتبر قاسم الشخصية القوية التي مثلها نصرالله رأس حربة داخل “الحزب”، ما يعكس اختلافاً في رؤية إيران لطبيعة القيادة المطلوبة للمرحلة القادمة.
بناءً عليه، فإن إعادة ترتيب القيادة في طهران ليست أمراً داخلياً فقط، بل تحمل تداعيات مباشرة على “حزب الله”. صعود وحيدي وطائب يعزز موقع المؤسسات الأمنية والعسكرية في صنع القرار الإيراني، بينما يبقى “الحزب” من أبرز ساحات تنفيذ هذا القرار. السؤال المطروح في بيروت لم يعد يتعلق بمستقبل سلاح “الحزب” فحسب، بل بمن يحدد دوره وحدوده، وأين تبدأ حسابات طهران وتنتهي مسؤولية الدولة اللبنانية. المرحلة المقبلة قد تشهد اختباراً حقيقياً لقدرة القيادة الجديدة في طهران على فرض أولوياتها الإقليمية، وإمكانات قيادة “الحزب” في إدارة التوازن بين القرار الإيراني والواقع اللبناني في ظل ضغوط وتغيرات أمنية وسياسية متسارعة