صراع البرد في لبنان: المواطن بين «نار» الأسعار وصقيع الإهمال
klyoum.com
نوال أبو حيدر
مع دخول فصل الشتاء وبلوغ العواصف الثلجية ذروتها، لم يعد تأمين التدفئة مجرد تفصيل معيشي عابر، بل أصبح الهمّ الأول والوحيد الذي يؤرق العائلة اللبنانية. هذا الواقع الذي يفرضه الشتاء، كشف عن عمق المأساة الخدماتية التي تعصف بالبلاد، محولة حق الإنسان الأساسي في الدفء إلى صراع يومي ومرير للبقاء، حيث تلاشت الخطوط الفاصلة بين الاحتياج الطبيعي وبين العجز المادي المفروض قسرا.
لقد شكّل الارتفاع الأخير في جدول أسعار المحروقات، والذي سجل زيادة ملحوظة طالت البنزين والمازوت والغاز، ضربة قاسية لجيوب المواطنين المنهكة أصلا، مما جعل من «خزان المازوت» حلما صعب المنال للكثيرين. وأمام هذا الاستنزاف الذي يتجاوز القدرة على الاحتمال، برز تحوّل اجتماعي لافت يعكس حجم اليأس، إذ بات اللبنانيون يقارنون مرغمين بين تكلفة المازوت المسعر بالدولار وبين اللجوء إلى الحطب كبديل أوحد. هذا الخيار الأخير، رغم أضراره البيئية الفادحة وجرائم قطع الأشجار التي يغذيها، بات الملاذ الوحيد اللهروب من نار الأسعار التي تفوق حرارتها برودة كانون.
هذا المشهد ليس نتاج تقلبات الطبيعة فحسب، بل هو انعكاس لتقاعس الجهات الرسمية التي وقفت موقف المتفرج أمام معاناة الناس. فوزارة الطاقة والمياه لا تزال عاجزة عن ضبط فوضى الأسعار أو توفير طاقة بديلة تخفف العبء عن كاهل الناس. وفي ظل هذا الفراغ، وجدت البلديات نفسها مشلولة خدماتيا أمام ضخامة الاحتياجات وتراكم الثلوج، مما ترك المواطن وحيدا في مواجهة مصيره.
إن مشهد الصقيع الذي يلف البيوت اليوم يتطلب تكاتفا صادقا يتجاوز الوعود الإعلامية، فالأزمة ليست مجرد أرقام في جداول الأسعار، بل هي وجع اجتماعي مكتوم خلف الجدران. إن تأمين الدفء في بلد يعاني من انهيار خدماتي شامل هو المعيار الحقيقي لما تبقى من كرامة إنسانية، وبدون سياسات واضحة تخفف من وطأة أسعار المحروقات، سيبقى الشتاء في لبنان فصلا للصراع المرير بين تأمين لقمة العيش وبين شراء دفء زائل.
معاناة شتوية
في أحد الأحياء اللبنانية، تروي عائلة لبنانية تجربتها مع صعوبة تأمين المازوت خلال فصل الشتاء، حيث يتحول البرد القارس إلى تحدّ يومي يثقل كاهلها. مع انخفاض درجات الحرارة، تبدأ رحلة البحث عن المازوت، لكن الأسعار غير ثابتة، ما يضع العائلة أمام قلق دائم من نفاد المادة في أي لحظة.
تقول العائلة إنّها «حاولت في بداية الشتاء تخزين كمية تكفيها لبضعة أشهر، إلا أن الظروف المادية الصعبة حالت دون ذلك، فاضطرت إلى شراء كميات صغيرة وعلى فترات متقطعة. وفي بعض الأيام، اضطرت إلى تقليص ساعات التدفئة، والاكتفاء بتشغيل المدفأة في المساء فقط، حرصا على الأطفال وكبار السن في المنزل».
وتضيف العائلة: «البرد لا يقتصر تأثيره على الراحة الجسدية فحسب، بل ينعكس أيضا على الحياة اليومية، من صعوبة النوم ليلا إلى زيادة الأعباء الصحية، خصوصا لدى كبار السن. ورغم كل ذلك، تحاول العائلة التأقلم مع الواقع، معوّلة على تحسن الأوضاع وتوفر المازوت بأسعار مقبولة، كي تتمكن من تجاوز فصل الشتاء بأقل الخسائر الممكنة».
البراكس: ارتفاع حتميّ قادم
من هذا المنطلق، يقول رئيس نقابة أصحاب محطات المحروقات في لبنان جورج البراكس، لصحيفة «اللواء» إنه «من الصحيح أنّنا شهدنا ارتفاعًا في أسعار المحروقات، سواء في مادة البنزين أو المازوت، ومن المتوقّع أن نشهد ارتفاعات إضافية في الفترة المقبلة. ولا يرتبط هذا الأمر بقرارات داخلية لبنانية، بل يعود إلى ارتفاع أسعار المحروقات في الأسواق الدولية، المرتبط ضمنًا باحتمال حدوث تدخّل أميركي في إيران، وما قد يرافقه من خطر انقطاع إمدادات النفط عبر الخطوط العالمية، إضافة إلى التداعيات السلبية المستمرة للحرب الأوكرانية وما تشكّله من مخاطر جيوسياسية متصاعدة. كما أنّ سعر صرف الدولار يؤثّر عادةً على أسعار المحروقات، إلا أنّه مستقر في لبنان حاليًا، وبالتالي لا تأثير له على الارتفاع الحاصل في الأسعار».
أبو شقرا: ارتياح للمواطن... والمخاطر قائمة
من جهته، يؤكد ممثل موزّعي المحروقات في لبنان، فادي أبو شقرا، أن «أسعار المحروقات التي لحظناها خلال شهري تشرين الثاني وكانون الأول، ولا سيما الانخفاض الذي سجل خلالها، كانت مريحة إلى حدّ كبير للمواطن اللبناني، وقد شكلت أدنى نسبة انخفاض مقارنة بالعام الماضي، ما انعكس ارتياحا نسبيا لدى الناس في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة».
ويتابع: «بشكل عام، فإنّ مختلف المناطق اللبنانية مؤمنة بمادة المازوت، وقد أقدم المواطن اللبناني على تخزين هذه المادة لتأمين حاجاته حتى نهاية فصل الشتاء، تفاديا لأي نقص محتمل أو ارتفاع مفاجئ في الأسعار».وفي المقابل، لا ينكر أبو شقرا أن «المخاطر تبقى قائمة، ونتمنى ألا تحصل أي حرب في المنطقة، لأن أي تصعيد أو توتر إقليمي قد يؤدي إلى تدهور الأوضاع، إذ إن كل ما يحدث على الساحة العالمية ينعكس مباشرة على الاقتصاد، ما يتسبب بارتفاع أسعار النفط، ويكون المواطن اللبناني وحده من يدفع الثمن».
نداء لوزير الطاقة
ومن موقعه، يختم: «نوجّه نداء إلى معالي وزير الطاقة جو صدي لفتح باب الحوار والتفاهم مع النقابات المعنية، كون هذه النقابات تطالب بحقوق تصبّ في مصلحة المواطنين وفي استمرارية هذا القطاع الحيوي. فالنقابات تحمل العديد من المطالب، إلا أنه لا توجد لقاءات تجمعها حتى الآن مع وزير الطاقة، لذلك نطالب بوجود تجاوب جدّي واحترام متبادل مع هذه النقابات، لما فيه مصلحة القطاع والمواطن على حدّ سواء».