مخاوف غير مبررة من سقوط النظام الإيراني
klyoum.com
أخر اخبار لبنان:
وزير الصحة تفقد مراكز الإيواء في جبيلفي البداية، وجب التنبيه إلى أن هذه السطور ليست دعوة لإسقاط النظام الإسلاموي في إيران، فإذا كانت مواقف بعض الدول غير مؤثرة — سلبًا أو إيجابًا — في هذا الموضوع، فمن باب أولى أن تكون مواقف أهل الصحافة والإعلام كذلك. فضلًا عن أن الهدف الفعلي من الضربات الأميركية على إيران ليس واضحًا بعد: هل المطلوب تجريد النظام من قوته العسكرية؟ أم إسقاطه الآن أو بعد حين؟ أم تمكين جناح “المعتدلين” و”الإصلاحيين” داخل النظام لتوقيع اتفاق سياسي؟ أم توقيع الاتفاق أيا كان الحاكم؟ أم خلق نقطة توتر داخل إيران تجتذب عناصر الإرهاب المتشيّع، كما استقطبت العراق في زمن مضى أغلب عناصر الإرهاب المتسنّن، فسهُل ضربها؟!.
راجت في الآونة الأخيرة مخاوف تتحدث عن أن سقوط النظام الإيراني سيجر الويلات على المنطقة، إما بسبب ردود فعل النظام نفسه، أو بسبب ردود فعل الميليشيات التابعة له، أو بسبب الفراغ الذي سيخلّفه السقوط. ويرى بعض أصحاب هذا الرأي أن إيران بعد 7 أكتوبر 2023 أضعف من إيران قبل هذا التاريخ، وأن ضررها أخف، وبالتالي فهي تستحق فرصة جديدة أو عمرًا أطول.
حين بدأت الثورة السورية، كان بشار الأسد يحذّر من أن دعم الثورة السورية سيشعل الشرق الأوسط في ست ساعات. عاشت الثورة ثلاثة عشر عامًا، وسقط الأسد بعد ذلك بسنوات، ولم تتحقق توقعاته. وإن كان الشرق الأوسط قد اشتعل ابتداءً من 7 أكتوبر 2023، فإن الأسباب لم تكن ذات صلة بنظام الأسد، بل إن ما حصل هو أن نظامه الغاشم احترق في خضم هذا الاشتعال.
لا شك في أن النظام الإيراني بعد 7 أكتوبر أضعف منه قبلها، لكن المنطقة عاشت هذا الضعف في مرحلة سابقة بعيد الحرب العراقية–الإيرانية، ووصل إلى سدة الرئاسة — تحت قيادة المرشد علي خامنئي — المعتدلان هاشمي رفسنجاني ثم محمد خاتمي. وشهدت العلاقات العربية–الإيرانية، أو الخليجية–الإيرانية على وجه الخصوص، انفتاحًا ظاهرًا استغله النظام الإيراني باطنيًا لتقوية نفسه وأذرعه وإطلاق برنامجه النووي، ثم أسفر ذلك عن وجهه العدواني تمامًا ابتداءً من عهد الرئيس أحمدي نجاد، لتصدق الأمثولة الفارسية: “إن الغربان لا يبيض لونها مهما غسلت نفسها”، ويصبح اتباع الوصية النبوية واجبًا: “لا يُلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين”.
التخوف من أضرار الفراغ الذي سيخلّفه النظام الإيراني ربما يستند إلى أسباب وجيهة تستحق الدراسة تحسبًا للمستقبل، لكنه يظل في علم الغيب. في المقابل، فإن أضرار وجود النظام الإيراني التي شهدناها في العقود الماضية أوضح وأصدق من توقعات قد تتحقق وقد لا تتحقق. فضحايا الصراع العربي–الإيراني بكل تفرعاته في العراق وسوريا واليمن ولبنان، كالجرائم المباشرة للميليشيات الإيرانية، والانقلاب الحوثي في اليمن، وانشقاق “حماس” عن “فتح” عام 2007، ودعم بشار الأسد في سوريا، وتمكين “حزب الله” من لبنان منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وغيرها، أرقامها مروّعة:
عدد القتلى العرب: نحو مليون و300 ألف قتيل.
عدد الجرحى العرب: نحو 5 ملايين و300 ألف جريح.
عدد المهجّرين: نحو 23 مليونًا و300 ألف مهجّر.
الخسائر الاقتصادية: نحو تريليون و450 مليار دولار.
وقد استُبعدت الحرب الإيرانية–العراقية من هذه الحسابات بسبب الخلاف حولها؛ فهناك من يرى أن العراق اعتدى على إيران، وهناك من يرى أن العراق خاض حربًا وقائية ضد مبدأ “تصدير الثورة” الذي تبنّته إيران. أما ضررها في الجانب العراقي، فصعب الحصر: نحو 600 ألف قتيل عراقي على الأقل، ونحو 500 ألف جريح، مع خسائر تُقدّر بنصف تريليون دولار.
والمفارقة المؤسفة أننا سنصل إلى أرقام أقل لو احتسبنا أضرار وضحايا الصراع العربي–الإسرائيلي، من حرب 1948 (وما سبقها من ضحايا إرهاب عصابات الهاغاناه والأرغون وشتيرن)، إلى حرب غزة الأخيرة وملحقاتها، مرورًا بحروب 1956 و1967 و1973، وحروب لبنان، وانتفاضات الفلسطينيين، وغارات العراق واليمن وسوريا، وغيرها:
عدد القتلى العرب: نحو 295 ألف قتيل.
عدد الجرحى: نحو 720 ألف جريح.
عدد المهجّرين: نحو 6 ملايين مهجّر.
الخسائر الاقتصادية: نحو 900 مليار دولار.
هذه الأرقام ليس الغرض منها الإشادة بإسرائيل — فهي عدو ظاهر — لكنها تكشف النظام الإيراني على حقيقته. فتفضيل إيران على إسرائيل، أو تفضيل إسرائيل على إيران، يشبه تفضيل القتلة على قطاع الطرق.
الحقيقة الساطعة هنا أن مناعة النظام العربي كانت أقوى أمام إسرائيل قبل العصر الإيراني (2003–2023)، مما ينفي وهم “التوازن” بين إيران وميليشياتها من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، كمصلحة عربية، إلا إذا كان المقصود بالتوازن هو الدعاية والإعلام. وهذا ما أثبتته الحروب المستولدة من “طوفان الأقصى”، إذ اتضح أنه لا قوة للميليشيات الطائفية المتأيرنة إلا على المدنيين العرب.
التخوف من ردود فعل الميليشيات على الهجوم الأميركي على إيران في محله، فهذا هو الهدف من تأسيس هذه الميليشيات: أن تكون خط الدفاع الأول عن إيران ورأس الحربة في وجه العرب والسنة. لكن وضع هذه الميليشيات في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، كما أثبتته الحروب الأخيرة، يبيّن أن سلاحها — ومن خلفه القدرات العسكرية الإيرانية المباشرة — مصدر إزعاج لا عامل حسم أو تأثير.
في العراق، أصدرت “كتائب حزب الله” في 30 يناير/كانون الثاني 2024 بيانًا بدا وكأنه اعتذار للولايات المتحدة عن عملية مخيم الركبان، ولم ينقص البيان سوى التصريح بأن الخسائر البشرية الأميركية غير مقصودة لأن الهدف الأساس كان الاستعراض. ووصلت المذلة إلى حد إعلان الكتائب أنها لن ترد على أي ضربات أميركية مستقبلًا. ولاحقًا، في ديسمبر 2025، أعلنت بعض الميليشيات العراقية المتأيرنة استعدادها لتسليم سلاحها تخوفًا من هجوم أميركي–إسرائيلي، ومنها “عصائب أهل الحق” و”تيار الحكمة” و”كتائب الإمام علي” و”أنصار الله الأوفياء”.
وفي لبنان، كان أداء ميليشيا “حزب الله” في حرب الإسناد كارثيًا؛ فقد تسبب في احتلال خمس نقاط، وسقط معظم القادة، ووقعت خسائر مادية وبشرية وسياسية فادحة، كما كشفت عملية “البيجر” الفارق العلمي والتقني المرعب بين إسرائيل من جهة، وإيران وميليشياتها من جهة أخرى.
تراجعت قوة هذه الميليشيات كثيرًا بعد “طوفان الأقصى”، لكنها ما زالت قادرة على استهداف الدولة المركزية، وهو سيناريو أقرب للواقع. أما انخراطها في حرب مفتوحة ضد الولايات المتحدة وحلفائها، فبمثابة انتحار لا يأسف عليه أحد، فضلًا عن كونه عديم التأثير على نتيجة الحرب. في المقابل، قد ترى هذه الميليشيات أن استهداف الدولة في العراق ولبنان واليمن وغيرها أكثر أمانًا لها وأكثر إرباكًا لخصومها.
من الطبيعي أن تنهض هذه الميليشيات للدفاع عن إيران، ومن الطبيعي أن تتسبب بخسائر هنا وهناك، لكنها خسائر محدودة ومؤقتة ولو بدت كبيرة. الأهم أنه على المدى الاستراتيجي، فإن سقوط النظام الإيراني أو توقيعه على اتفاق سياسي يعني فقدان هذه الميليشيات لمصدر التمويل والتسليح والغطاء الإقليمي، ما يجعل مواجهتها كجماعات مارقة أسهل وأنجع، كما حدث مع خلايا “القاعدة” و”داعش” من قبل.
التهديد باندلاع حرب دينية على الغرب والعرب في حال سقوط النظام الإيراني غير واقعي؛ فالمتضرر الأكبر من ذلك هم الشيعة أنفسهم، لأن الكثرة تهزم “الشجاعة”، ولأن الخنادق التي حفرتها إيران بينهم وبين العرب والعالم ستزداد عمقًا. وعليه، فإن سقوط النظام الإسلاموي الإيراني مصلحة شيعية صرفة، استنادًا إلى وصية رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى محمد مهدي شمس الدين – رحمه الله – :
"أوصي أبنائي وإخواني الشيعة الإمامية في كل وطن من أوطانهم، وفي كل مجتمع من مجتمعاتهم، أن يدمجوا أنفسهم في أقوامهم وفي مجتمعاتهم وفي أوطانهم، وألا يميزوا أنفسهم بأي تمييز خاص، وألا يخترعوا لأنفسهم مشروعًا خاصًا يميزهم عن غيرهم، لأن المبدأ الأساس في الإسلام – وهو المبدأ الذي أقره أهل البيت عليهم السلام – هو وحدة الأمة، التي تلازم وحدة المصلحة، ووحدة الأمة تقتضي الاندماج وعدم التمايز. وأوصيهم بألا ينجروا وألا يندفعوا وراء كل دعوة تريد أن تميزهم تحت أي ستار من العناوين، من قبيل إنصافهم ورفع الظلامة عنهم، ومن قبيل كونهم أقلية من الأقليات لها حقوق غير تلك الحقوق التي تتمتع بها سائر الأقليات، إن هذه الدعوات كانت وما تزال شرًا مطلقًا، عادت على الشيعة بأسوأ الظروف".
التخوف على دول الخليج من موجات نزوح وقلاقل نتيجة سقوط النظام الإيراني يفتقر إلى الوجاهة. فقد سقط النظام العراقي عام 2003، ورغم الحدود البرية الطويلة مع السعودية (نحو 800 كلم)، لم تغرق المملكة باللاجئين بفضل ضبط حدودها. وما ينطبق على السعودية ينطبق على سائر دول الخليج، فضلًا عن أن إيران ليست دولة حدودية مباشرة، بل يفصلها البحر عن الدول الخليجية. وليت هذا الحرص على الخليج سمعناه استنكارًا لهجوم إيران على منشآت أرامكو عام 2019، أو لنشاط خلية العبدلي في الكويت قبل ذلك.
لا يعني كل ما سبق أن سقوط إيران وميليشياتها سيجعل الحياة وردية في الشرق الأوسط، فمرحلة النقاهة ستكون دقيقة وحساسة، لكن احتمالات التعافي والاستقرار والازدهار بعدها مرتفعة جدًا، بخلاف الحال إذا أعادت الجمهورية الإسلاموية بناء نفسها وبناء أذرعها من جديد. ويبقى خطر اليمين الصهيوني المتطرف قائمًا، لكن العرب بغياب النظام الإسلاموي الإيراني سيكونون أقوى. فتلقي النيران من جهة واحدة أفضل من تلقيها من جهتين، وربما كان ازدهار التطرف الصهيوني مرتبطًا بازدهار التطرف المضاد المدعوم من إيران، وسقوط حلقة من حلقات التطرف يُفترض أن يُضعف ما تبقى.
لن تسيطر إسرائيل على العالم العربي بغياب النظام الإيراني، لأسباب جغرافية وديموغرافية وثقافية، وكلما استقرت الدول العربية وازدهرت، عجزت إسرائيل عن التوسع والطغيان. وكان استقواء إيران في العقدين الماضيين من أسباب انهيار دول عربية كثيرة، وحين يغيب السبب تتغير النتيجة.
لقد جرّبت الدول العربية، وعلى رأسها دول الخليج، طوال أربعة عقود كل أساليب الحوار والاحتواء مع إيران بلا جدوى، وكان نقض الاتفاقات سمة إيرانية مزمنة. لذلك تبدو “مغامرة” العيش في المنطقة من دون إيران وميليشياتها إغراءً يصعب مقاومته.
لا يستحق النظام الإيراني فرصة جديدة بسبب ضعفه، ولا خوفًا من ردود فعله أو ردود فعل ميليشياته، بل موقفًا نهائيًا وحاسمًا يثبت فيه لشعبه ولجيرانه أنه تغيّر، وتخلّى عن برنامجه النووي وصواريخه الباليستية وميليشياته الطائفية وتدخله في شؤون الآخرين. وهذا الموقف قد يكون من مصلحة الإيرانيين قبل غيرهم.
والتأكيد واجب على أن السيناريو الأمثل حاليًا هو الوصول إلى اتفاق سياسي يجنب المنطقة، والمدنيين الإيرانيين خصوصًا، ويلات الحرب. لكن التخوف الإيراني من الاتفاق نابع من أن التسليم بالشروط الأميركية يجرّد النظام من درعه الأيديولوجي في مواجهة شعبه، لا سيما بعد قتله آلاف الإيرانيين في الاحتجاجات الراهنة، ما يجعله عالقًا بين نارين: السقوط تحت الضربات الأميركية أو تحت أقدام الإيرانيين الجياع والغاضبين.
لن تكون الحرب بين الولايات المتحدة وإيران نزهة، لكن التضخيم الإعلامي لقدرات إيران وميليشياتها متخم بالمبالغة، وإلا لكانت نتائج “طوفان الأقصى” وحروب الإسناد مختلفة.
وفي كل الأحوال، من واجب الأنظمة السياسية تجنيب شعوبها ويلات الحروب، وقد أحسنت دول الخليج برفض المشاركة فيها، خصوصًا مع عدم حاجة الولايات المتحدة إليها، واحترامًا لحقوق الجوار التي نادرًا ما احترمتها إيران.
إذا تعرّضت دولة عربية أو خليجية لخطر السقوط، فإن النظام الإيراني سينظر إلى ذلك كفرصة لا كخطر. ومن أجل ذلك، ومن أجل كل ما سبق، يتضح أن المخاوف الحقيقية تكمن في استعادة النظام الإيراني لعافيته، لا في سقوطه. وعلى أصحاب الرأي المخالف استذكار قوله تعالى:
﴿فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.