قِـيَــم العيد بمواجهة لغة التحريض والكراهية
klyoum.com
أخر اخبار لبنان:
وزير الصحة يطلب دعم منظمة الصحة الدوليةيحلّ عيد الفطر هذا العام على لبنان مثقلاً بجراحه، في لحظة تختلط فيها فرحة العيد بمرارة الحرب، وتغيب فيها مظاهر الطمأنينة خلف مشاهد النزوح والدمار التي أصابت مئات آلاف العائلات في الجنوب والضاحية الجنوبية. أكثر من مليون لبناني وجدوا أنفسهم فجأة خارج بيوتهم، يواجهون قسوة التهجير وقلة الموارد، فيما تحاول الدولة، بإمكانات محدودة، احتواء أزمة تفوق قدراتها في ظل تراجع الدعم الخارجي وانشغال الإقليم بأزماته المتفاقمة.
في خضم هذا المشهد القاتم، يكتسب عيد الفطر معناه الأعمق، لا بوصفه مناسبة احتفالية فحسب، بل كقيمة روحية وأخلاقية تعيد التذكير بجوهر الإيمان القائم على الرحمة والتكافل والتسامح. فالعيد، الذي يأتي تتويجاً لشهر الصيام، يفترض أن يكون محطة لمراجعة الذات، وتغليب منطق التعاطف على منطق الانقسام، ومدّ جسور التضامن بين اللبنانيين بدل تعميق الهوة بينهم.
إن ما يختبره اللبنانيون اليوم يتطلب خطاباً جامعاً يخفف من وطأة الألم، لا خطاباً تحريضياً يزيد منسوب الاحتقان. غير أن بعض القوى الحزبية لا تزال تمضي في توظيف لغة الكراهية والتحريض، في محاولة اللهروب من مسؤولياتها المباشرة أو غير المباشرة عن الكارثة التي أصابت شريحة واسعة من اللبنانيين، نتيجة الزج بالبلاد في صراعات إقليمية لا طاقة لها على تحمُّل تبعاتها. هذا الخطاب لا يهدد فقط السلم الأهلي، بل ينسف أيضاً القيم التي يفترض أن يجسدها العيد.
في المقابل، تبرز مبادرات أهلية وإنسانية تعبّر عن الوجه الحقيقي للبنان، حيث تتجلى روح التكافل في استقبال النازحين، وتقديم المساعدة رغم ضيق الحال. هذه النماذج تؤكد أن المجتمع اللبناني لا يزال يمتلك مناعة أخلاقية قادرة على مواجهة الانقسامات، إذا ما تم تحصينها بخطاب وطني مسؤول.
عيد الفطر، في هذه الظروف، ليس مناسبة عابرة، بل دعوة صريحة لإعادة ترتيب الأولويات: حماية الإنسان قبل أي اعتبار، صون الوحدة الوطنية، ووقف الانزلاق نحو خطاب الفتنة. فالإيمان الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، بل بالمواقف التي تنحاز إلى كرامة الإنسان وحقه في الأمان.
قد لا يحمل هذا العيد حلولاً سحرية سريعة للأزمات المتراكمة، لكنه يجب أن يكون فرصة لإعادة التذكير بأن لبنان لا يمكن أن يُبنى إلا بأخلاق العيد: تضامنٌ يداوي الجراح، تسامحٌ يفتح أبواب المصالحة، وإرادةٌ جماعية ترفض أن تكون الحروب والخراب قدراً دائماً لهذا الوطن.