اخبار لبنان

نافذة العرب

سياسة

صحافيو الجنوب بين نارين.. خطر الاستهداف وفيتو الأهالي!

صحافيو الجنوب بين نارين.. خطر الاستهداف وفيتو الأهالي!

klyoum.com

مع تصاعد المواجهات في جنوب لبنان، يواجه الصحافيون الميدانيون واقعاً معقّداً تتداخل فيه التحديات الأمنية مع الاعتبارات الاجتماعية، في بيئة تُقيّد العمل الإعلامي وتضعه أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن نقل الحقيقة في ظل خطر دائم ورفض متزايد من السكان المحليين؟

 

التوثيق في مناطق النزاع… واجب تحكمه المخاطر

يُعدّ التوثيق الإعلامي في الحروب ركناً أساسياً في نقل الوقائع ورصد الانتهاكات، إذ يساهم في بناء سجل يمكن الاستناد إليه لاحقاً في المساءلة القانونية أو التقييم الدولي. وقد أكدت قرارات دولية عدة، أبرزها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2222 لعام 2015، ضرورة حماية الصحافيين أثناء النزاعات المسلحة، واعتبارهم مدنيين يجب عدم استهدافهم.

كما تنص اتفاقيات جنيف على حماية المدنيين، بمن فيهم العاملون في المجال الإعلامي، وتدعو إلى احترام عملهم وضمان سلامتهم.

لكن على أرض الواقع في جنوب لبنان، تبدو هذه النصوص بعيدة عن التطبيق. فالصحافيون يعملون في بيئة مفتوحة على الاستهداف، حيث لا ضمانات فعلية لسلامتهم، في ظل طبيعة العمليات العسكرية التي لا تميّز في كثير من الأحيان بين موقع وآخر.

رفض الأهالي… بين الخوف وانعدام الثقة

إلى جانب المخاطر المباشرة، يواجه الصحافيون تحدياً آخر يتمثل في رفض بعض الأهالي وجودهم داخل القرى التي لم تُفرغ بالكامل، مثل كفرشوبا وحلتا. ويعكس هذا الرفض حالة من القلق العميق لدى السكان، الذين باتوا ينظرون إلى أي نشاط إعلامي باعتباره احتمالاً إضافياً للاستهداف.

ويؤكد مراسلون ميدانيون أن الكاميرا لم تعد تُستقبل دائماً كأداة لنقل الحقيقة، بل كعنصر قد يلفت الانتباه إلى المكان. وفي ظل غياب ضمانات الحماية، يفضّل كثير من الأهالي تقليص أي ظهور قد يُعرّضهم للخطر.

هذا التحوّل في نظرة السكان إلى العمل الإعلامي لا ينفصل عن التجارب السابقة، حيث ارتبطت في بعض الأحيان لحظات التوثيق بتصعيد عسكري لاحق، ما عزّز منسوب الشك والخوف.

معضلة مهنية… بين نقل الحقيقة وحماية المدنيين

في هذا السياق، يجد الصحافي نفسه أمام معضلة مركّبة. فغياب التغطية يعني فقدان جزء من الحقيقة، بينما الإصرار على العمل رغم رفض الأهالي قد يضعهم في دائرة الخطر.

وتشير مبادئ العمل الصحافي في مناطق النزاع، كما وردت في أدبيات اليونسكو، إلى ضرورة الموازنة بين الحق في المعرفة وسلامة الأفراد، وهو ما يفرض على الصحافيين اتخاذ قرارات ميدانية دقيقة، قد تصل إلى حد الانسحاب من بعض المواقع.

هذا التوازن لا يُحسم بسهولة، بل يُبنى على تقدير لحظي للظروف، ما يجعل العمل الإعلامي أقرب إلى إدارة مخاطر مستمرة.

تصاريح رسمية… حماية شكلية

رغم حصول الصحافيين على تصاريح رسمية تخوّلهم العمل في مناطق النزاع، فإن هذه الإجراءات تبقى محدودة الفعالية في الميدان. فهي تنظّم الحركة من الناحية الإدارية، لكنها لا توفّر حماية حقيقية في ظل غياب آليات تنفيذية تضمن سلامة الإعلاميين.

وتؤكد تقارير صادرة عن الاتحاد الدولي للصحافيين أن مجرد حمل بطاقة صحافية أو تصريح رسمي لا يمنع الاستهداف في النزاعات، خصوصاً في البيئات التي تتسم بارتفاع وتيرة العمليات العسكرية.

غياب الدولة… وتضاعف الهشاشة

في موازاة ذلك، يبرز غياب واضح للدور الرسمي في حماية المدنيين وتنظيم العمل الإعلامي. فالأهالي الذين بقوا في قراهم يواجهون واقعاً صعباً في ظل محدودية الخدمات وغياب خطط إخلاء أو حماية فعالة.

هذا الفراغ يعزّز من شعور السكان بالانكشاف، ويدفعهم إلى اتخاذ مواقف أكثر تشدداً تجاه أي وجود خارجي، بما في ذلك الصحافيون. كما يضع الإعلاميين في بيئة عمل تفتقر إلى الحد الأدنى من الضمانات.

تحديات ميدانية غير مرئية

بعيداً عن التقارير المنشورة، يواجه الصحافيون تفاصيل يومية معقّدة، تبدأ بمحاولات التنسيق للدخول إلى القرى، مروراً بالحاجة إلى العمل بسرية أحياناً لتفادي لفت الانتباه، وصولاً إلى اتخاذ قرارات سريعة بالانسحاب عند ارتفاع مستوى الخطر.

هذه التحديات، وإن لم تظهر في المادة الإعلامية النهائية، تؤثر بشكل مباشر على طبيعة التغطية، وتحدّ من القدرة على الوصول إلى كل المناطق المتضررة.

تضييق المساحة الإعلامية… ومخاوف على الرواية

في ظل هذه الظروف، تتقلص المساحات المتاحة للعمل الصحافي، ما ينعكس على حجم ونوعية التغطية. ويثير ذلك مخاوف من وجود فجوات في نقل الوقائع، في وقت تبرز فيه أهمية التوثيق كأداة أساسية للحفاظ على الرواية.

وتشير تقارير لجنة حماية الصحفيين إلى أن القيود الميدانية، سواء كانت أمنية أو اجتماعية، تُعد من أبرز التحديات التي تواجه الإعلام في مناطق النزاع، وقد تؤدي إلى تقليص تدفق المعلومات.

بين الواقع والنصوص… فجوة مستمرة

رغم وضوح الأطر القانونية الدولية التي تحمي الصحافيين، إلا أن الفجوة بين النص والتطبيق تبقى كبيرة. فالقوانين التي تؤكد حماية الإعلاميين لا تجد ترجمة فعلية في الميدان، حيث تبقى الأولوية للمعادلات العسكرية.

وفي جنوب لبنان، تتجسّد هذه الفجوة بشكل واضح، إذ يعمل الصحافيون ضمن هامش ضيق تفرضه الظروف الأمنية ومواقف الأهالي، ما يجعل التوثيق مهمة شاقة في بيئة غير مستقرة.

إصرار على الاستمرار

ورغم كل التحديات، يواصل عدد من الصحافيين عملهم في الجنوب، محاولين نقل ما أمكن من تفاصيل. هذا الإصرار لا يلغي المخاطر، لكنه يعكس أهمية الدور الذي يلعبه الإعلام في زمن الحرب.

في نهاية المطاف، يبقى التوثيق ضرورة، حتى في أصعب الظروف. لكنه في جنوب لبنان، لم يعد مجرد مهمة مهنية، بل اختبار يومي للتوازن بين نقل الحقيقة والحفاظ على الحياة.

*المصدر: نافذة العرب | arabwindow.net
اخبار لبنان على مدار الساعة