اخبار لبنان

ام تي في

سياسة

أخرجوا المدرسة الخاصة من قفص الإتهام

أخرجوا المدرسة الخاصة من قفص الإتهام

klyoum.com

في خضمّ النقاش الدائر حول اقتراح تعديل القانون رقم ٥١٥/١٩٩٦، ولنا ملاحظات قانونية وتقنية جدّية على الصيغة المطروحة، لكنّ هذا ليس مقام عرضها تفصيلًا، الا اننا نستغل الفرصة لندعو إلى مقاربةٍ راقية، هادئة، وخالية من الأحكام المسبقة، في طريقة نظرنا إلى المدرسة الخاصة ودورها. أنا هنا لا أكتب بصفتي القانونية فقط، بل كأبٍ يعيش يوميًا هواجس العائلة اللبنانية بين القسط، وجودة التعليم، واستقرار المؤسسة التربوية. ومن هذا الموقع، أرى أنّ حماية حقوق الأهل لا تكون بتحويل العلاقة مع المدرسة إلى معركة تفتيش دائم عن تقصير هنا أو فاتورة هناك، ولا بجعل المؤسسة التربوية في موقف المتهمة حتى اثبات العكس. فذلك يضرب في الصميم إمكان قيام حوار بنّاء ونقاش علمي مسؤول، ويقوّض عنصرًا لا يقوم التعليم من دونه: الثقة.

إنّ مدارسنا الخاصة ليست تفصيلًا في تاريخ لبنان؛ كثيرٌ منها أسّس، بالمعنى الثقافي والتربوي، لقيام الكيان اللبناني وساهم في ازدهاره وتطويره عبر أجيال. الحفاظ على التعليم الخاص، وحماية هذه المؤسسات التي ورثناها عن أهلنا وأجدادنا، يجب أن يكون الهدف والغاية، لا ضحيةَ مزاجٍ عام، غالبيته حسن النية، لكنه يتغذّى من الاتهامات المسبقة. المطلوب اليوم أن نعيد النقاش إلى أساسه: كيف نضمن الشفافية والعدالة من دون كسر الاستقرار؟ وكيف نحمي العائلة من دون خنق المؤسسة؟ وكيف نصل إلى توازنٍ يُبقي المدرسة مساحة تعاونٍ تربوي لا ساحة خصومةٍ دائمة؟

في كل نقاش تشريعي يتعلّق بالمدارس الخاصة في لبنان، يتسرّب إلى الخطاب العام نَفَسٌ سلبيّ مسبق، كأنّ المدرسة متّهمة بطبيعتها، وكأنّ القسط المدرسي ليس سوى مساحة محتملة للتعسّف. هذا المزاج، وإن كان مفهومًا في ظل الأزمة الاقتصادية والضغط على العائلات، لا يمكن أن يكون أساسًا للتشريع ولا للسياسات العامة. فالتعميم يُنتج ظلمًا، والاتهام المسبق يُنتج قوانين عقابية، والقوانين العقابية لا تبني استقرارًا تربويًا.المقاربات التي تُطرح اليوم، تحت عناوين براقة مثل حماية الأهل والشفافية، تميل أحيانًا إلى الانتقال من التنظيم إلى الوصاية، ومن الرقابة اللاحقة إلى التدخّل المسبق، ومن معالجة الحالات المنحرفة محاسبيًا إلى تعميم الاشتباه. وهذا الانزلاق خطير لأنه لا يُصلح القطاع، بل يرهقه، ولا يهدّئ المجتمع المدرسي، بل يفجّره من الداخل.

المدرسة الخاصة في لبنان ليست مؤسسة عامة، ولا هي متعهّد خدمات للدولة. إنها مشروع تربوي مستقل يقوم على حرية التربية التي شكّلت إحدى ركائز النموذج اللبناني منذ عقود. الواجب الدستوري بتأمين التعليم يقع على الدولة أولًا، ولا يجوز تحويل المدرسة الخاصة إلى بديلٍ قسري عنها أو تحميلها وظائف اجتماعية ومالية ليست من طبيعة العلاقة التعاقدية بينها وبين الاهل.

لا يجوز أن تُبنى القوانين على فرضية أنّ المدرسة الخاصة سيئة النية، وأن يكون الأصل هو التعسّف لا حسن الإدارة. نحن اليوم، قبل أي شيء، بحاجة إلى تغيير اللغة التي نخاطب بها هذا القطاع. فالمدرسة الخاصة ليست خصمًا للأهل، ولا عدوًا للدولة، وليست شركة ربحية. إنّ لبنان لا يحتمل أن يخسر ركائز نظامه التربوي، ما يفرض قدرًا عاليًا من التعقّل والمسؤولية في النقاش الدائر، لا سيّما في ظلّ تسجيل اعتراضات على بعض الموازنات رغم أنّ الرواتب والأجور تشكّل في كثير من الحالات ما يفوق الحدّ الأدنى المطلوب قانونًا بكثير. من هنا، يصبح واجبًا إبعاد النَفَس السلبي عن النقاش، واستبدال لغة الاتهام بلغة الشراكة، والسعي إلى حماية مؤسساتنا التربوية المتجذّرة في التاريخ، لا دفعها قسرًا نحو التحوّل إلى مؤسسات ربحية، وما قد يترتّب على ذلك من ارتفاع إضافي في كلفة التعليم. في النهاية، الهدف واحد: تلميذ يتعلّم في بيئة مستقرة، وأهل مطمئنون، ومدرسة قادرة على الاستمرار في أداء رسالتها.

*المصدر: ام تي في | mtv.com.lb
اخبار لبنان على مدار الساعة