اخبار لبنان

ام تي في

سياسة

دولةٌ في خزّان

دولةٌ في خزّان

klyoum.com

كان يجيد الكلام إلى حدٍّ صار معه الصمتُ تهمة. لثلاثين سنة، كان يكفي أن يرفع إصبعه على الشاشة حتى تنحني البلاد كلّها على مقاس ذلك الإصبع: يرتفع فترتفع معه أسعار الخوف، ويهبط فتهبط معه الدولة. قبل عامين، في السابع والعشرين من أيلول ٢٠٢٤، انطوت أبنية حارة حريك على الرجل الذي لم يرَ اللبنانيون وجهه إلا عبر زجاج التلفزيون منذ ٢٠٠٦. قال غسان كنفاني إن الموت ليس قضية الميت، بل «قضية الباقين». ونحن الباقين. ولذلك لا يكفي أن نسأل كيف مات حسن نصرالله؛ السؤال الأخطر: كيف عاش فينا كل هذا العمر، وكيف أقنع شعباً كاملاً بأن يسكن خزّاناً مُحكَم الإغلاق ويسمّيه وطناً، وبأن يعتبر من يدقّ الجدران عميلاً؟

وُلد عام ١٩٦٠ في الكرنتينا، على الحافة الفقيرة لبيروت، ابناً لبائع خضار. هذا تفصيلٌ يحبّه كتّاب السِّيَر، ولكنه ليس المفتاح. المفتاح هو النجف، حيث ذهب فتىً يطلب العلم في ظلّ مدرسة محمد باقر الصدر، وعاد منها عام ١٩٧٨ مطروداً مع الطلاب اللبنانيين الذين لاحقهم البعث العراقي. هناك التقى عباس الموسوي، وهناك تعلّم أن الوطن ليس الأرض التي تولد عليها، بل المرجعية التي تُسلِّم لها. انتسب إلى حركة أمل، ثم خرج منها عام ١٩٨٢ مع من رفضوا جلوس نبيه بري في هيئة الإنقاذ الوطني، ومن ذلك الانشقاق، في معسكرات الحرس الثوري الإيراني في البقاع، وُلد حزب الله.

في منتصف الثمانينيات، كان الشابّ الأسمر أكثر صدقاً مما سيكونه لاحقاً. في تسجيلٍ مصوّر يعود إلى تلك الحقبة، يقول بلا مواربة إن مشروعهم هو «مشروع دولة إسلامية وحكم الإسلام»، وإن لبنان لن يكون جمهورية إسلامية مستقلة، بل «جزءاً من الجمهورية الإسلامية الكبرى» التي يحكمها الوليّ الفقيه. وكانت «الرسالة المفتوحة» عام ١٩٨٥ قد أعلنت الالتزام بقيادة الخميني والدعوة إلى النظام الإسلامي. هنا لا خديعة. الخديعة بدأت حين تعلّم الرجل أن يقول الشيء نفسه بلغةٍ أخرى؛ حين استبدل «الجمهورية الإسلامية الكبرى» بـ«المقاومة»، و«الولي الفقيه» بـ«الحلفاء»، و«الأمّة» بـ«الشعب والجيش». لم يتخلَّ عن الفكرة، بل ألبسها بزّةً لبنانية، وربط عنقها بعلم الأرز. وحين ضاق به الحال في أيار ٢٠٠٨، خلع البزّة لحظةً وقال: «أنا أفتخر بأن أكون فرداً في حزب ولاية الفقيه». ثم عاد وارتداها كأن شيئاً لم يكن. وفي ٢٠١٦، أكمل الاعتراف: موازنة الحزب ومعاشاته وأكله وشربه وسلاحه وصواريخه «من الجمهورية الإسلامية في إيران». قالها بفخر. ونحن صفّقنا، أو صمتنا، وهذا في السياسة سيّان.

وفي الأحزاب العقائدية لا يُطرَد الرجل الأول؛ يُمحى. صبحي الطفيلي، أول أمين عام للحزب، أُقصي، ثم حين رفع «ثورة الجياع» عام ١٩٩٧ باسم فقراء بعلبك-الهرمل، حوصر في عين بورضاي عام ١٩٩٨ وسقط الدم في حوزة ضدّ حوزة. أما عباس الموسوي فاغتالته إسرائيل عام ١٩٩٢، فصعد نصرالله إلى القمّة في الثانية والثلاثين، وبدأ يكتب التاريخ على طريقته: تاريخٌ بلا طفيلي، وبلا حرب إقليم التفاح.لأن ثمة حرباً يريد الجميع نسيانها. بين ١٩٨٨ و١٩٩٠، اقتتل «الإخوة» في الضاحية والجنوب وإقليم التفاح، حزب الله وحركة أمل، وسقط مئات الشيعة برصاص شيعة، إلى أن جمعتهما دمشق وطهران على طاولة واحدة ووزّعتا الأدوار: لأمل الدولة ومغانمها، وللحزب الحرب وقرارها. ومن رحم تلك التسوية وُلد «الثنائي»، أقدم زواج مصلحة في الجمهورية، ما زال قائماً على قاعدة لا يكتبها أحد: ينسى القاتل، وينسى المقتول، ويدفع الجنوب الفاتورة.

ثم تأتي الجريمة الأكثر صمتاً: احتكار المقاومة. في ١٦ أيلول ١٩٨٢، وإسرائيل في قلب بيروت، أطلق شيوعيون وقوميون ويساريون «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية». كانت مقاومةً بلا عمامة، متعدّدة الطوائف، تقاتل من أجل وطن لا من أجل أمّة. خلال سنوات قليلة، ضاقت الجبهة وجفّت، وسقط في الطريق مفكّرون كحسين مروّة ومهدي عامل عام ١٩٨٧ برصاصٍ لم يُحاسَب عليه أحد، ثم أُغلق الجنوب بقرارٍ سوري-إيراني أمام كل بندقية لا تُصلّي في المحراب نفسه. صارت المقاومة ماركةً مسجّلة، وصار كل من يقاوم خارجها «مشبوهاً»، وكل من ينتقدها «عميلاً». هكذا تُصنَع الأوطان المصادَرة: تبدأ بمصادرة الكلمة، ثم الشهداء، ثم الذاكرة.وحين جاء الطائف عام ١٩٨٩، سلّمت الميليشيات سلاحها إلى الدولة، كلّها إلا واحدة. لم يكن الاستثناء نصّاً في الاتفاق، بل تأويلاً رعته الوصاية السورية وسمّته «مقاومة». والطريف المرّ أن الرجل الذي رفض تسليم السلاح لم يرغب في السلطة. من ١٩٩٢ دخل البرلمان، لكنه ظلّ خارج الحكومة حتى ٢٠٠٥. ترك لرفيق الحريري أن يبني ويستدين ويتلقّى اللوم، واحتفظ لنفسه بقرار الحرب والسلم. سلطةٌ بلا فاتورة، ودولةٌ بلا قرار. ولم يدخل الحكومة إلا حين خرج الجيش السوري في نيسان ٢٠٠٥؛ غاب الحارس، فكان لا بدّ من الجلوس داخل الدولة لحراستها من نفسها.

قبل ذلك بأسابيع، في الثامن من آذار ٢٠٠٥، ودم الحريري لم يجفّ على رصيف السان جورج، وقف نصرالله أمام الحشود وقال: «شكراً سوريا». لم تكن زلّة لسان، كانت عقيدة. ثم، بعد شهرين، دخل «التحالف الرباعي» مع تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي وحركة أمل، وراح يتحدّث عن كل شبرٍ من العشرة آلاف وأربعمئة واثنين وخمسين كيلومتراً مربّعاً. يا لسخرية التاريخ: الرقم الذي جعله بشير الجميّل شعاراً للسيادة، استعاره حزبٌ يعلن أن رواتبه من طهران. لم يكن ذلك تحوّلاً، بل تمويهاً. كان اللبنانيون يسمعون «١٠٤٥٢»، وكان الحزب يقصد «الساحة».مع رفيق الحريري، كانت العلاقة لقاءات ليلية وتعايشاً حذراً بين مشروعين لا يتّسع لهما بلد واحد. ثم جاءت المحكمة الخاصة بلبنان عام ٢٠٢٠ لتدين سليم عياش، أحد أعضاء الحزب، بالاغتيال، ولتضيف غرفة الاستئناف عام ٢٠٢٢ حسن مرعي وحسين عنيسي. صحيح أن المحكمة لم تجد دليلاً يربط القيادة مباشرة، لكن الرجل الذي يعرف كل شيء في الضاحية قرّر أن يعرف شيئاً واحداً: أن المتّهمين لن يُسلَّموا، لا في ثلاثين يوماً ولا في ستين، ولا في ثلاثمئة سنة. هكذا قال عام ٢٠١١. لم يقل إنهم أبرياء؛ قال إنهم لن يُحاكَموا. وهذا فارقٌ يعرفه كل محامٍ.

ثم كرّت السبحة. حربٌ في تموز ٢٠٠٦ قال بعدها «لو كنتُ أعلم» لما فعل، لكنّ البلد كان قد دفع الثمن. ثم السابع من أيار ٢٠٠٨، يوم استدار السلاح «المقدّس» نحو بيروت والجبل، فسمّاه «يوماً مجيداً». ثم إسقاط حكومة سعد الحريري عام ٢٠١١ من الرابية. كل خطوة كانت تقول الشيء نفسه: السلاح الذي لا يخضع للدولة لا يبقى على الحدود؛ إنه يعود دائماً إلى الداخل، لأن الداخل هو الغنيمة الحقيقية.وحين ثار السوريون، اختار الرجل الذي بنى أسطورته على «نصرة المستضعفين» أن يقف مع السجّان. في ٢٠١٣ دخل القصير وقال إنه سيكون «حيث يجب أن نكون». ثم صار الطريق إلى القدس، بتعبيره، يمرّ بالقلمون والزبداني وحمص وحلب. لم يمرّ بالقدس قط. مرّ بمخيم اليرموك المحاصَر، حيث مات فلسطينيون جوعاً في حصارٍ ضربه النظام الذي كان الحزب عماده. فلسطين التي رفعها شعاراً تحوّلت إلى جوازِ مرورٍ إلى دمشق، والفلسطينيون أنفسهم، حين خرجت حماس من سوريا، صاروا عبئاً على الخطاب لا قضيةً له. وهكذا صار حزبٌ لبنانيٌّ الحارسَ الأخير لنظامٍ اغتال رؤساء لبنان وصحافييه ونوّابه قبل أن يذبح شعبه.

ثم جاء السقوط الكبير. في الثامن من تشرين الأول ٢٠٢٣، فتح «جبهة الإسناد» من دون أن يستشير حكومةً أو برلماناً أو شعباً، كأن لبنان ملحقٌ جغرافيّ لغرفة عمليات. سنة واحدة كانت كافية ليرى العالم الأسطورة تتفكّك: أجهزة النداء تنفجر في جيوب المقاتلين، القادة يسقطون واحداً بعد الآخر، ثم حارة حريك. وبعد اثنين وسبعين يوماً من اغتياله، في الثامن من كانون الأول ٢٠٢٤، هرب بشار الأسد إلى موسكو، وسقط النظام الذي دُفن من أجله آلاف الشبان اللبنانيين في ترابٍ ليس ترابهم. وفي النهاية، الدولة التي احتقرها ثلاثين عاماً هي التي فاوضت على وقف إطلاق النار، والجيش الذي قيل إنه عاجز هو الذي طُلب منه أن ينتشر جنوب الليطاني.

لم يخدعنا حسن نصرالله لأنه كان كذّاباً؛ كان في الحقيقة صادقاً بشكلٍ مخيف، قال لنا منذ الثمانينيات من هو ولمن يعمل ومن أين يأكل. خدعنا لأننا أردنا أن نُخدَع. لأن البلاغة كانت أجمل من الدولة، ولأن النصر المؤجّل كان أرخص من المحاسبة الحاضرة، ولأن طائفةً كاملة أُقنعت بأن كرامتها لا تُصان إلا بالبندقية، وأن الدولة عورةٌ تُستَر لا بيتٌ يُبنى. رحل الرجل، لكنّ الخزّان ما زال مغلقاً، والهواء فيه يقلّ. وكنفاني طرح السؤال قبل ستين عاماً، ولم نجب عليه بعد: «لماذا لم تدقّوا جدران الخزّان؟». ذكرى نصرالله الحقيقية ليست في صوره المعلّقة على أعمدة الكهرباء المقطوعة، بل في هذا السؤال. فإمّا أن ندقّ الجدران اليوم، دولةً واحدة وسلاحاً واحداً وقراراً واحداً، وإمّا أن نبقى، كرجال كنفاني، جثثاً على حافة الصحراء، يعثر عليها التاريخ ويرميها في المكبّ، ثم يمضي.

*المصدر: ام تي في | mtv.com.lb
اخبار لبنان على مدار الساعة