اخبار لبنان

ام تي في

سياسة

حزب الله سيشتري لكم بيوتاً في الجنة

حزب الله سيشتري لكم بيوتاً في الجنة

klyoum.com

بيرلا حيدر - مجتمعنا

في لبنان، قد تخسر بيتك وأرضك وعملك وجنى عمرك، لكن لا داعي للقلق، فثمة من سيتكفّل بشراء أثاث منزلي جديد لك.ثمانية آلاف دولار للأثاث، وأربعة آلاف للإيجار، وربما ألفان إضافيان إذا حالفك الحظ وخسرت منزلك في الضاحية الجنوبية بدلًا من الجنوب.بهذه الارقام، وبعد كل ما جرى، اختصر حزب الله مأساة العوائل التي خسرت حاضرها و مستقبلها في مبلغ لا يكفي بالضرورة لشراء غرفة نوم ومطبخ واستئجار شقة لبضعة اشهر. في 13 تشرين الأول 2026، أعلن حزب الله إطلاق برنامج وعد والتزام، الذي يمنح أصحاب المنازل المدمّرة أو غير الصالحة للسكن 14 ألف دولار في بيروت وضاحيتها، و12 ألفًا في سائر المناطق، تُدفع على أربع مراحل. وقد قُسّمت المساعدة رسميًا إلى بدل إيجار وبدل أثاث، وكأن المشكلة الأساسية التي تواجه الجنوبيين اليوم هي اختيار الأرائك المناسبة لغرف جلوسهم الجديدة. والواقع أن هذه الأرقام تكتسب معناها حين توضع إلى جانب حجم الكارثة، لا إلى جانب الميزانية المتاحة للحزب. ففي تقرير أصدره البنك الدولي في آذار 2025، قُدّرت الأضرار المادية الناتجة عن حرب 2023–2024 بنحو 6.8 مليارات دولار، منها 4.6 مليارات في القطاع السكني وحده. وبلغت الخسائر الاقتصادية نحو 7.2 مليارات دولار. وهذه أرقام سبقت الحرب الأخيرة، التي أضافت دمارًا جديدًا إلى بلد لم يكن قد انتهى أصلًا من إحصاء خسائره السابقة. غير أنّ المنازل المدمّرة ليست وحدها ما يحتاج إلى إعادة إعمار. فهناك أرزاق انقطعت، وأعمال أُقفلت، وأراضٍ لم تعد تُزرع، وعائلات فقدت مدّخرات سنوات في محاولة النجاة من حرب لم تختر موعدها ولا نهايتها. وما خسره هؤلاء لا يُقاس بقيمة العقارات وحدها، بل بالقدرة على إعالة أنفسهم من دون انتظار تحويل مالي أو مساعدة موسمية. ثمّة خسائر لا تظهر في كشوفات الأضرار، ولا يمكن إدراجها في أي جدول للتعويضات. فأن يبدأ الإنسان من الصفر مرة واحدة قد يكون امتحانًا لقدراته، أما أن يُجبر على ذلك كلّما انتهت حرب وبدأت أخرى، فذلك استنزاف لما تبقّى من عمره ورغبته في الحياة. فالمنازل التي دُمّرت لم تكن مجرد جدران وأثاث، بل سنوات من الذكريات والأمان والأحلام التي نشأت بين جدرانها. والمحلّ التجاري الذي تحوّل إلى ركام لم يكن مجرد بضاعة ومعدات، بل مشروعًا أمضى صاحبه سنوات في بنائه، وربما عمرًا كاملًا في الحلم به. وهناك عائلات نزحت وعادت ونزحت مجددًا، حتى باتت العودة إلى المنزل شبه المدمر مجرّد استراحة بين رحيلين. فأي مبلغ يستطيع أن يعيد إلى هؤلاء ثقتهم بأنّ ما سيبنونه غدًا لن يُهدم بعد غد؟ وأيّ تعويض يعيد لإنسان شغفه بمشروع صار يخشى نجاحه، لأنّ نجاحه يعني أن يصبح لديه ما يخسره مرة أخرى؟ ومن يعيد إليه استقراره النفسي، وصفاء ذهنه، واستعداده لأن يحلم ويخطّط ويبدأ من جديد، بعدما استُنزفت قدرته على احتمال المزيد من الخسارات ؟ فأربعة عشر ألف دولار قد تساعده على شراء بعض ما يحتاج إليه ليبدأ حياة أخرى، لكنها لا تستطيع أن تمنحه الإرادة اللازمة لبنائها. ثم إن الحياة خارج المنزل المدمّر ليست مجانية. فالإيجار ليس سوى أول الفواتير، تليه الكهرباء واشتراك المولّد والنقل والطبابة وأقساط المدارس، فيما يُفترض بالعائلة نفسها أن تعيد تأسيس حياتها بما تبقّى من مدّخرات استُنزفت أصلًا خلال النزوح. ولا يحتاج المرء إلى دراسة اقتصادية معقّدة ليكتشف أن المبلغ الذي يُقدَّم اليوم لن يعيد منزلًا، ولن يفتح متجرًا، ولن يزرع حقلًا، ولن يضمن حتى استقرار عائلة لعام كامل. ولعل الإنجاز الوحيد الذي يمكن ضمانه هو أن النازح سيجد نفسه، بعد أشهر، مضطرًا إلى حساب ما تبقّى من المال بدلًا من حساب موعد عودته الى بلدته و منزله. لكن المشكلة لا تقف عند ضآلة المساعدة، بل تبدأ حين تصبح المساعدة البديل الوحيد المرئي عن إعادة الإعمار. فلا قدرة عسكرية على أي تحرير للبلدات المحتلة، ولا استعداد من حزب الله لأي حل سياسي يحمل أي تنازل، و لا جدول زمني واضح لإعادة المنازل، ولا التزام مالي معلن يغطي الخسائر، ولا خطة متكاملة تشرح للمتضرّرين كيف سيستعيدون ممتلكاتهم ومصادر عيشهم. والمقصود هنا ليس ما تعد به الدولة اللبنانية، بل ما يقدّمه حزب الله نفسه من تصوّر للمرحلة التالية، وهو الذي يطلب من بيئته تحمّل تبعات خياراته العسكرية، ثم يترك مستقبلها معلّقًا على وعود لا يعرف أصحاب البيوت المدمرة متى تتحوّل إلى إسمنت وحديد. وبالطبع، يمكن لهذه الأموال أن تخفّف بعض الأعباء الآنية، وليس من الإنصاف إنكار حاجة العائلات إليها. لكنها لا تستطيع أن تكون أكثر من إعانة مؤقتة، وقد تتحوّل سياسيًا إلى وسيلة لشراء بعض الوقت والصبر، لا لتعويض ما فُقد. فحين يغيب الجواب عن سؤال إعادة الإعمار، تصبح المساعدة وسيلة لتأجيل السؤال نفسه. وهنا تكمن المفارقة : من اعتاد أن يعد الناس بالنصر، يجد نفسه اليوم يعدهم بالأثاث والإيجار، فيما يبقى الوعد الأصعب، أي تحرير ارضهم و إعادتهم إلى بيوتهم وحياتهم، بلا موعد. فالبيوت التي دُمّرت كانت حقيقية، والأرزاق التي انقطعت كانت حقيقية، والسنوات التي ضاعت من أعمار أصحابها لن تعود. أما الوعود، فربما تتّسع لكل ذلك. واذا كانت الجنّة تتّسع لكل هذه التضحيات، لعلّها تتّسع أيضًا لبيوت بديلة عن تلك التي دُمّرت، ولأرزاق تعوّض ما ضاع، ولأعمار لا تُقضى في انتظار العودة. أما على الأرض، فلا يزال الجنوبيون ينتظرون أكثر من أثاث جديد وسنة إيجار. فلعلّ الوعد ببيوت في الجنّة أسهل من إعادة بنائها على الأرض، خصوصًا حين يكون ثمن الأولى إيمان أصحابها، وثمن الثانية مسؤولية من وعدهم بالنصر.

*المصدر: ام تي في | mtv.com.lb
اخبار لبنان على مدار الساعة