من يمنع هذا الوزير من الكلام ويسحب من يده القلم؟
klyoum.com
أخر اخبار لبنان:
إنذار أخير للسفير الإيراني مغادرة أو تدخل أمنيكتب ناصر قنديل في البناء
في خطوة مفاجئة، أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية قرار طرد السفير الإيراني من بيروت، مبررة ذلك بما وصفته “مخالفات لأصول العمل الدبلوماسي”، شملت وفق بيان الوزير استقبال شخصيات لبنانية لا تحمل صفة رسمية، وإطلاق مواقف وتصريحات اعتُبرت تدخلاً في الشأن الداخلي اللبناني ومساسًا بما سمّاه “الجبهة السيادية للدولة”. وقدّم الوزير القرار بوصفه دفاعًا عن سيادة لبنان وحرصًا على ضبط العلاقات الدبلوماسية وفق الأصول المعتمدة بين الدول، ولم يقل إن لبنان تعرّض لعدوان من إيران استهدف فيه بنى تحتية اقتصادية أو مناطق حساسة، فقط استقبالات وتصريحات، لنتساءل هل نحن في سويسرا أم في لبنان حيث يفتتح السفير الأميركي نهاره باستقبالات لا صلة له بمهمته كسفير وليس فقط لمن لا صفة رسمية لهم، ويُنهي نهاره بتصريح يتحدث فيه عن تشكيل الحكومة وماذا عليها أن تفعل او عن تسمية رئيس الجمهورية، ومثله سفراء عرب وأجانب يتصرّف الواحد منهم كأنه صاحب البلد متجاهلاً أن هناك دولة، فهل تشتغل خاصيّة السيادة فقط عند الحديث عن إيران كما تشتغل خاصية السيادة فقط لنزع سلاح المقاومة وليس لمواجهة الاحتلال والعدوان؟
– لكن، إذا أردنا أن نبدأ من الوقائع الموثّقة، فإن ما تعرّضت له دول الخليج في هذه الجولة من التصعيد يفوق بكثير أي توصيف نظري. وفي العلاقات الخليجية الإيرانية تاريخ من التعقيدات التي اتهمت دول الخليج إيران بالوقوف وراءها، في السعودية مثلاً، هاجم أنصار الله اليمنيون منشآت بقيق وخريص في 14 أيلول/سبتمبر 2019، ما أدّى إلى تعطيل نحو 5.7 ملايين برميل يوميًا من الإنتاج واتهمت السعودية إيران بذلك، وانتهى الأمر هنا. في الإمارات، تعرّض ميناء الفجيرة في أيار/مايو 2019 لعمليات تخريب لناقلات نفط، ثم شهدت أبوظبي في كانون الثاني/يناير 2022 هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ أصابت منشآت حيوية وأوقعت قتلى. ورغم إعلان أنصار الله مسؤوليتهم في المرّتين وجهت الإمارات الاتهام لإيران. ومع ذلك، لم تذهب هذه الدول إلى طرد السفير، بل حافظت على الحد الأدنى من العلاقات، أو أعادت ترميمها، إدراكًا لضرورة إدارة الصراع لا تفجيره.
– لكن إذا انتقلنا إلى الوقائع الراهنة في حرب 2026، ليس ثمّة التباس في تحمل إيران علناً مسؤولية استهدافات تسببت بخسائر ضخمة لدول الخليج، فإن ما تعرّضت له دول الخليج يفوق بكثير أي توصيف نظري أو سجال دبلوماسي. في السعودية، سُجّلت ضربات طالت منشآت نفطية في المنطقة الشرقية وأدّت إلى تعطيل جزئي في الإنتاج وارتفاع تكاليف التأمين على الشحنات النفطية. في الإمارات، تعرّضت منشآت حيوية ومحيط موانئ لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ، ما انعكس اضطرابًا في حركة الشحن والطيران. في قطر، تأثرت منشآت الغاز المسال وطرق الإمداد البحرية في ظل التوتر في الخليج ومضيق هرمز، مع تهديد مباشر لصادرات الغاز. إضافة لاستهدافات متلاحقة لكل من البحرين والكويت، وكان سقف ما فعلته بعض دول الخليج هو طلب مغادرة الملحق العسكري، وعادت دولة مثل قطر وهي أكثر من لحق به الأذى وتقول على لسان رئيس وزرائها ووزير خارجيتها، نظير وزير خارجية لبنان، أن العلاقة مع إيران تبقى مسألة تحل بالدبلوماسية لأن إيران دولة شقيقة وجارة.
– وعند توسيع المقارنة، تتضح الصورة أكثر. فرنسا، التي سقط لها جنود في أربيل في سياق ضربات صاروخية إيرانية، لم تقطع العلاقات، بل واصل رئيسها الاتصالات مع القيادة الإيرانية. وأمس أجرى رئيسها اتصالاً هاتفياً بالرئيس الايراني للتشاور في آفاق الحلول توصلاً لإنهاء الحرب، أما تركيا، التي طاولتها تداعيات ضربات إيرانية في محيطها، لم تنزلق إلى القطيعة، بل أدت دور الوسيط. وحتى الولايات المتحدة، صاحبة قرار الحرب والعقوبات، فقد خرج رئيسها يتحدّث عن مسار التفاوض.
– أما إذا أخذنا بيان الوزير على محمل الجد، فنحن أمام مفارقة تكاد تكون تاريخية في غرابتها. كأننا في زمن ممثلية السلطنة العثمانية أمام بلاط القيصرة كاترين الثانية، لا في لبنان المعاصر، حيث السفارات تدير صالونات سياسية مفتوحة، وتستقبل شخصيات بلا صفة رسمية، وتُطلق مواقف تتناول تشكيل الحكومات والاستحقاقات الدستورية. وهذه ليست استثناءات، بل جزء من الحياة السياسية اللبنانية منذ عقود.
– في هذا السياق، يصبح القول إن سفيرًا استقبل شخصيات لبنانية “لا صفة رسمية لها” أو أدلى بتصريحات “تمس السيادة”، مدعاة للسخرية. وهنا، لا يعود السؤال فقط: مَن اتخذ القرار؟ بل: هل نحن أمام سياسة دولة، أم رد فعل سياسي حاقد يتجاوز حجمه الواقعي؟ ام سعي لنيل الثناء من أحد ما نجهله. وفي لحظة كهذه، إذا كان هناك مَن سيصفق، فلن يكون إلا الطرف الذي يستفيد من تعميق القطيعة في المنطقة. أما لبنان، فيبقى أمام معادلة أصعب: كيف يدير علاقاته في بيئة إقليمية معقدة، دون أن يتحول إلى ساحة قرارات غير محسوبة، تتقدم فيها الشعارات على حساب التوازنات؟
– وحدها العلاقة مع إيران والسعودية تقع على خطوط تماس الطوائف في لبنان ويمنع اللعب بها ممن يجهلون خيوطها الدقيقة، فهل مَن يمنع هذا الوزير من الكلام أو يسحب قلم التوقيع من يده قبل أن يتسبّب بكارثة؟