سلام عن عباس في حفل تكريمه: حرص على استقرار لبنان ورفض عسكرة المخيمات
klyoum.com
منحت "أكاديمية هاني فحص للحوار والسلام" الرئيس الفلسطيني محمود عباس، جائزة "صناع السلام"، في احتفال أقيم برعاية رئيس الحكومة نواف سلام، في مركز التدريب والمؤتمرات التابع لشركة طيران الشرق الاوسط - الادارة العامة - طريق المطار، تقديراً لدوره في إرساء المصالحة اللبنانية - الفلسطينية".
وفي خلال الحفل ألقى سلام الكلمة الآتية: "كلما استعدت بالذاكرة صورة العزيز هاني فحص اراه، كما يقول محمود درويش، "كالماشي تحت المطر... في شتاء آخر"وفيما كان يمشي، لم يختصر الايام في الاحداث القاسية ولا في نزاعاتها على نحو يعيد اختراع الماضي ليجعل منه صراعاً لا ينتهي ويحسب المواجهات الحاضرة استئنافاً لعداوات قديمة.
لذلك أحسن النظر الى اتصال لبنان بفلسطين. وقال ان فلسطين تجمعنا من أجل لبنان الذي لا نرى خرابه عماراً لفلسطين فليس في انزال فلسطين في منزلة القلب من مجمل حياته او مشاغله تفريط بهمومه اللبنانية او تنصل من انشغاله بنهوض لبنان وإعادة بناء دولته وإصلاحه.
أكثر من ذلك، ذهب الى مصالحة واقعية ومبكرة بين اللبنانية والعروبة. وأدرك انها، رغم واقعيتها والحاجة اليها، ظلت هشّة عند القوى السياسية وأخفقت في توحيد اللبنانيين حول مشروع الدولة واعادة بناء وطن لا يكون مرمى لأحجار طائشة في لعبة أقدار، ولا ساحة مفتوحة وأرض منازلة وغلبة وإلغاء.
والمصالحة الاخرى المبكرة عنده، اختصت بالتوفيق بين محبة الجماعة الطائفية والتعلق بالجماعة الوطنية. فلم يعادي هاني فحص طائفته ابدا، مثلما فعل بعض أصدقائه ورفاق نضاله مع طوائفهم فلم يتدبروا أمرهم ولا أمر لبنان معها.
غير انه لم يُستغرق في الولاء لها، أو الانحياز الى مصالحها، الفعلية او المفترضة. ولم يقع في اسر عصبية تجعل منها كتلة متجانسة في وجه كتلة متجانسة أخرى وتدفع بها في طريق القوة وتوسلها.
وكانت له ممانعة قوية ضد انتظام حزبي يقوم لا على اعتناقه القضايا الكبيرة، وعلى التضامن الحر والاختيار الحر، بل يتطلب اذعاناً لم يجد نفسه في معظم الاحوال مستعداً له أو راضياً به واستعان هاني فحص على الانتظام واطمئنانه الخادع بالسعي الى الحوار والحوار عنده ليس زينة ولا زياً، ولا مجرد تخاطب، يتقابل فيه الكلام ازاء الكلام أو ضده.
وفي طريق الحوار، سلك نحو تحقيق السلام بين اللبنانيين والفلسطينيين والى شفاء ذاكرتيهما الجريحتين، مدركا ان أي حوار جدير بهذا الاسم، ومن غير نقد ذاتي، يظل عقيما. فمارس صاحبنا الحوار والنقد الذاتي الذي اوصلنا الى "اعلان فلسطين في لبنان" فشق بجرأة قل نظيرها طريق المصالحة الحق.
والمصالحة المستكملة تبقى في اول تطلعاتنا فيما نجتمع حول الرئيس محمود عباس الذي ما انفكّ يصنع السلام اللبناني الفلسطيني ويحرص على صونه.
يتمتع الرئيس محمود عباس برؤية سياسية متزنة، تستند إلى إدراك عميق لطبيعة التوازنات الدولية والإقليمية والعربية المؤثرة في إدارة الملف الفلسطيني. وقد جسّد، من خلال مواقفه وممارساته، التحول من نهج الثورة إلى مفهوم الدولة، مؤمنًا بأن الكفاح الوطني الفلسطيني لا بد أن ينتهي بحل سياسي شامل وعادل.
وفي هذا السياق، رفض الرئيس عباس الدعوات إلى تسليح الانتفاضة، وتمسّك بسلميّتها، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن العودة إلى العنف من شأنه أن يبدّد المكاسب السياسية التي تحققت على مدار سنوات النضال، ويُضعف من الموقف الفلسطيني أمام المجتمع الدولي.
منذ وقت مبكر، تبنّى خيار السعي إلى إقامة كيان فلسطيني مستقل على أراضي عام 1967، واعتبر أن مرحلة الكفاح المسلح لا بد أن تقود الى مسار تفاوضي، يُفضي إلى تسوية سياسية قائمة على حل الدولتين. وقد قدّم نفسه باعتباره “محاربًا من أجل السلام”، واضعًا هدف إحراج المجتمع الدولي – لا سيما الغرب – أخلاقيًا وتاريخيًا أمام مسؤوليته تجاه إنهاء الاحتلال وتحقيق حل الدولتين.
رفض التدخلات الخارجية في الشأن السياسي الفلسطيني، حرصًا على استقلالية القرار الوطني ورفضًا لأي اصطفاف في سياق سياسات المحاور الإقليمية.
كذلك رفض أي تدخل فلسطيني في الشؤون الداخلية للدول العربية، وخصّ بالذكر كلًا من لبنان والكويت وسواهما، مؤكدًا التزامه الكامل بمبادئ السيادة وعدم التدخل. كما شدد على رفضه لأي وجود مسلح خارج إطار الشرعية، سواء في فلسطين أو في الدول الشقيقة، وعلى رأسها لبنان.
في مسيرة الرئيس محمود عباس، يمكن أن نختلف في الرأي، لكن لا يمكن إنكار الثوابت التي التزم بها في أخطر المراحل. شارك في هندسة اتفاق أوسلو، وسعى لبناء مؤسسات دولة رغم الاحتلال، وواجه الضغوط الدولية والإقليمية حين رفض ما اطلق عليه تسمية صفقة القرن.
وفي لبنان، فقد تبنّى نهجًا مسؤولًا. أكد احترام السيادة اللبنانية، ورفض تحويل المخيمات إلى ساحات للصراع أو أوراق ضغط، ورفض عسكرة المخيمات خارج الشرعية الوطنية.
لقد حرص أن يكون الوجود الفلسطيني في لبنان عنصر استقرار لا عنصر توتير، وسعى الى تحصين مجتمع اللاجئين، لا توريطه في صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.
إنها مواقف نسجّلها ونقدرّها كما نفعل في هذه المناسبة، ونبني عليها لما فيه مصلحة الشعبين اللبناني والفلسطيني والشكر الكبير طبعاً لمؤسسة هاني فحص وكل القيميين عليها، وكل من حافظ عليها حية وفاعلة".
كما كانت كلمة للرئيس أمين الجميّل قال فيها: "أقف أمامكم اليوم في لحظةٍ تجمع التاريخ بالحاضر، وتُكرّم مسيرة نضال واعتدال، وتُحيي رجلاً آمن بالسلام الممكن رغم صعوباته، وبالكرامة الوطنية رغم الرياح العاتية، لافتًا إلى أننا نُكرّم اليوم الرئيس محمود عباس ليس فقط بصفته رئيس دولة فلسطين، بل بصفته ضميرًا حيًا للقضية الفلسطينية، وصوتًا عاقلاً وسط ضجيج الشعارات وانفجارات العنف".
أضاف: "وأني لأجد في هذا التكريم، من أكاديمية تحمل اسم العلامة الراحل هاني فحص، دلالة عميقة، لأن ما يجمع بين الرجلين – فخامة الرئيس عباس وسماحة السيد فحص – هو تلك الرؤية الإنسانية الرحبة، وذلك الإيمان بالحوار سبيلاً أوحد نحو مستقبلٍ عربي مشرّف، مشيرًا إلى أن "هاني فحص لم يكن مجرد رجل دين، بل كان أحد الجسور النادرة بين الضاحية والضفة، وصوتًا شيعيًا وطنيًا لا يخشى المجاهرة بالحق، داعيًا إلى الفصل بين المقاومة المشروعة والفوضى المسلحة، واعتبر أن الدفاع عن فلسطين هو دفاع عن لبنان نفسه، لا شعارًا للمزايدة ولا بندقيةً للتفاوض".
وتابع: "اليوم، ونحن نُكرّم رجلاً من رجالات الحكمة والاعتدال، نستحضر هذا النهج لا كماضٍ جميل فحسب، بل كوصية لمستقبل لبنان والمنطقة، معتبرًا أننا في هذه اللحظات من الغليان الإقليمي وفي زمن التباسات الهوية وتكاثر الولاءات، أحوج ما نكون إلى رجال دولة من طينة هؤلاء، يؤمنون أن المواقف المبدئية لا تسقط مهما اشتدت العواصف، وأن كرامة الشعوب لا تُجزأ، لا في غزة ولا في بيروت".
وأكد الرئيس الجميّل ان "علاقته بالقضية الفلسطينية ليست ظرفًا طارئًا ولا تقاطعًا عابرًا. خلال أصعب مراحل الحرب اللبنانية، سعيتُ، رغم الضغوط والانقسامات، إلى بناء جسور التفاهم مع منظمة التحرير الفلسطينية، نعم، كانت هناك مواجهات وخلافات، ولكنني كنت من القلائل الذين آمنوا بضرورة الفصل بين الصراع المسلّح والحوار السياسي. ولعل كثيرين لا يعلمون أنني، حتى في خضم الحرب، فتحت قنوات الاتصال مع قيادات منظمة التحرير، لا من باب المساومة، بل من منطلق الإيمان بأن الاستقرار في لبنان لا يكتمل من دون التفاهم مع الفلسطينيين المقيمين على أرضه".
وتابع: " أذكر أنني في أكثر من محطة سعيت إلى تجنيب المخيمات الفلسطينية الدمار، وكنتُ من أوائل من دعوا إلى وضع إطار سياسي – أمني ينظّم الوجود الفلسطيني في لبنان في ظل السيادة اللبنانية والاحترام المتبادل".
واردف:" بعد انتخابي رئيسًا للجمهورية، تابعت هذا النهج بحذر وحكمة، مدركًا أن لبنان لا يستطيع أن يعزل نفسه عن محيطه، وأن منظمة التحرير، بقيادتها التاريخية، هي العنوان الفلسطيني الشرعي الذي لا يمكن تجاوزه، وفي عام 2008، وفي حضور ممثل السلطة الوطنية الفلسطينية آنذاك، عباس زكي، عقدنا في مقر حزب الكتائب في الصيفي لقاءً تحت عنوان المصارحة والمصالحة – ذكرى 13 نيسان، أكدنا في خلاله على بناء أفضل العلاقات بين اللبنانيين والفلسطينيين على قاعدة رفض التوطين وتنظيم السلاح الفلسطيني ومنح اللاجئين حقوقهم الاجتماعية في انتظار عودتهم إلى ديارهم".
أضاف:" أشهد للتاريخ أن الرئيس محمود عباس كان وما يزال شريكًا مسؤولًا في ذلك المسار. رجلٌ لم يسمح لنفسه أن يُغرق فلسطين في وحول المغامرة، ولا أن يجعل من لبنان ساحة صراع إضافية. حافظ على علاقة متوازنة مع الدولة اللبنانية، واحترم سيادتها ومؤسساتها، وساهم في ضبط العلاقة الفلسطينية – اللبنانية بعد الحرب، بما يخدم مصلحة الشعبين".
وقال: " اليوم، ونحن نعيش في عالم عربي مأزوم، وفي زمن تنهار فيه المبادئ تحت وقع التسويات الرخيصة، يبقى أبو مازن مثالًا على الثبات السياسي والوطني، وعلى أن التمسك بالحق لا يعني رفض الواقعية، وأن السلام لا يولد من الاستسلام بل من الشجاعة".
وختم : "أبو مازن، واعتقد أن هذا الإسم هو الأقرب إلى قلبك من حيث دلالته الشعبية وهويته النضالية، في تكريمكم اليوم، نُكرّم فلسطين الصامدة، ونكرّم الحكمة التي توازن بين الحق والممكن، ونكرّم الوفاء اللبناني – الفلسطيني الذي حرصنا، وسنحرص دومًا، على صونه وتطويره، لكم مني كل تقدير، ولأكاديمية هاني فحص للحوار والسلام الاحترام والدعاء بمزيد من الإشعاع الفكري والوطني".