اخبار لبنان

المرده

سياسة

هل تأتي الحلول في 2026… أم تستمرّ المراوحة؟

هل تأتي الحلول في 2026… أم تستمرّ المراوحة؟

klyoum.com

قبل الحديث عن العناوين الاقتصادية التي تنتظرنا في العام الجديد، هناك مدخل سياسي وطني يجب المرور من خلاله، لأنّ أيّ حديث في الوضع الاقتصادي لا يستقيم إذا لم يتحقق الاستقرار ويعمّ الأمن كلّ الربوع اللبنانية، وهذا ما لم يحصل حتى الآن حيث لم يمرّ يوم واحد طوال العام 2025، من دون اعتداء أو خرق إسرائيلي لاتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني 2024، وهذا ما كلّفنا الكثير من التضحيات وبالدرجة الأولى الشهداء والجرحى، إضافة إلى الخسائر الهائلة في الممتلكات العامة والخاصة، التي طالت منشآت الكهرباء والمياه والاتصالات والمواصلات والخدمات على اختلافها، كما طالت المؤسسات التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والعمرانية وغير ذلك…

طبعاً يُضاف هذا كله إلى ما خلّفته الحرب العدوانية التي واجهها لبنان في خريف العام 2024، حيث لا نزال إلى اليوم نواجه الحصار الخارجي والإهمال الداخلي في قضية إعادة الإعمار والبناء… وهذا ما يجب أن يكون له حلّ جذري في أقرب وقت ممكن…

لقد شهد مطلع العام 2025 انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية بعد فراغ رئاسي استمرّ أكثر من سنتين (26 شهراً)، وتمّ تشكيل حكومة جديدة، وعادت المؤسسات الرسمية إلى العمل نوعاً ما، وتأمّل اللبنانيون كثيراً بمضمون خطاب القسم ثم البيان الوزاري، حيث تركز الحديث على الأوضاع الاقتصادية والمالية والإنمائية، ولكن التنفيذ لم يكن على مستوى الوعود، لأسباب مفهومة مرتبطة بالأوضاع السياسية وبالحرب العدوانية الإسرائيلية التي لم تنتهِ، وأيضاً لأسباب غير مفهومة نظراً لارتباطات حكومية بأجندات خارجية تصرّ على ربط أيّ تقدّم اقتصادي في لبنان بالملف الأساسي المتعلق بالمقاومة وسلاحها الذي يشكل مصدر قوة للبنان.

وكما أنّ انطلاق الاقتصاد على مسار التنمية والنمو بحاجة إلى ثقة بالاستقرار السياسي والأمني، فإنه أيضاً بحاجة إلى استعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها وإداراتها العامة، وبالقطاع الخاص أيضاً، لا سيما أنّ المراحل السابقة حصل فيها الكثير وكانت حافلة بالفساد والرشاوى والصفقات المخفية في أكثر من قطاع، والمثال الأبرز هنا هو القطاع المصرفي بشقيه الرسمي والخاص، لأنّ ضياع أموال المودعين وجنى أعمارهم حصل بالتكافل والتضامن بين مصرف لبنان والمصارف التجارية، ولم تكن الدولة بعيدة عن هذا الأمر، بل كانت شريكة في الجرم الذي ضيّع على اللبنانيين عشرات مليرات الدولارات (كانت الودائع تقدر قبل الانهيار في تشرين الأول 2019 بنحو 187 مليار دولار، منها نحو 60 مليار دولار كانت مودَعة بالليرة اللبنانية والباقي بالعملات الأجنبية).

منذ ست سنوات لم نجد أيّ حلّ، لا لهذه الأزمة ولا لغيرها من الأزمات والمشاكل المتراكمة منذ عقود في كلّ القطاعات… الكهرباء والاتصالات والمياه والطرقات والنفايات والبيئة والخدمات على اختلافها، وأيضاً على الزراعة والصناعة والسياحة وكلّ القطاعات الإنتاجية.

نعم حصلت محاولة يتيمة مع حكومة الرئيس الدكتور حسان دياب التي أقرّت في نيسان 2020 خطة للتعافي المالي والاقتصادي، وأرفقتها بخطط تفصيلية للنهوض بقطاعات الإنتاج، لكنها لم تمرّ في المجلس النيابي، ومع الأسف لم يكن عمر الحكومة طويلاً إذ انها استقالت بعد انفجار المرفأ في 4 آب 2020.

غير ذلك حصلت مبادرات فردية على صعيد الوزارات، وهنا نذكر النشاط المميّز الذي قام به وزير الصحة الأسبق الدكتور حمد حسن لا سيما في مواجهة جائحة كورونا، وأيضاً الدور المهمّ جداً الذي قام به وزير الطاقة السابق الدكتور وليد فياض، خاصة أنه تمكّن من إلغاء الدعم لسعر الكهرباء بعدما استنزف هذا الدعم الخزينة العامة لأكثر من ثلاثة عقود، بينما اليوم أصبحت المؤسسة قادرة أن تسدّد ثمن الفيول من حسابها في مصرف لبنان دون اللجوء إلى السلفات من الخزينة العامة المرهَقة أصلاً بالكثير من الأثقال والأحمال.

وها نحن اليوم أمام مشروع قانون أعدّته الحكومة لإعادة الانتظام المالي.

من حيث المبدأ أن نناقش مشروع قانون موجود بين أيدينا أفضل من إبقاء النقاش يدور في حلقات مفرغة، لكن طبعاً هذا المشروع عليه الكثير من الملاحظات أوّلها أنه لا ينطلق من القاعدة الأساسية الضرورية وهي المحاسبة والمساءلة عن المرحلة السابقة، لأننا إذا لم نطبّق القانون ولم نحاسب المرتكبين الكبار قبل الصغار كيف يمكن لبلدنا أن يستعيد ثقة المستثمرين والأسواق المالية التي نريد منها أن تساعدنا على النهوض باقتصادنا ووضعه مجدّداً على السكة الصحيحة…

وهناك نص واضح جداً في قانون النقد والتسليف يقول إنّ أصحاب المصارف وأعضاء مجالس الإدارة وكلّ المُخوّلين بالتوقيع في المصارف، مسؤولون بأموالهم الخاصة عن أيّ تلاعب يحصل في الحسابات، ونحن نسأل هنا كيف يمكن للمودع أن يخسر أمواله بينما أموال المسؤولين عن المصارف، ومعهم بعض المحظيين، موجودة ومكدّسة بمليارات الدولارات في حسابات خارج البلد، وكانت القاضية غادة عون تحقق في ملفات تصل قيمة المبالغ فيها إلى أكثر من عشرين مليار دولار.

إذن البند الأول في أيّ مشروع علاجي أو إصلاحي يجب أن يكون تطبيق القانون ولا شيء غير القانون، خاصة أنّ هذا الأمر يعيد إلى لبنان مبالغ طائلة جرى تهريبها إلى الخارج، وبالتأكيد استعادة هذه الأموال تجعلنا قادرين على معالجة أكثر من نصف المشكلة.

أما عن المحادثات مع صندوق النقد الدولي والوصول إلى تفاهم مع الصندوق فقد يكون ذلك ضرورياً لاستعادة ثقة الأسواق المالية بلبنان، لكن يمكننا كما فعلت دول كثيرة الاستغناء عن ذلك، واعتماد سياسات اقتصادية ومالية وتنموية من شأنها أن تحقق لنا الكثير من التقدّم والإنجاز قد لا نستطيع فعله إذا اتفقنا مع الصندوق وخضعنا لشروطه القاسية، خاصة على الصعيد الاجتماعي، لأنّ الصندوق عادة يلغي دور الدولة وتعاملها مع المواطنين كـ رعايا بحيث يصبح المواطنون زبائن يسدّدون الفواتير فقط لا غير مع ما في تلك الفواتير من أعباء لا تستطيع الغالبية الكبرى من الناس تحمّلها…

وهناك تجارب كثيرة لدول اتفقت مع الصندوق وتراجع اقتصادها مثل الأرجنتين، بينما هناك دول استطاعت النهوض باقتصادها من دون اللجوء إلى صندوق النقد، وهذا يعتمد على وجود سلطات قادرة على اتخاذ القرارات الجريئة والخروج من عباءة الدول الكبرى المهيمنة على الاقتصاد العالمي… وفي حالتنا نحن في لبنان كان طرح التوجه شرقاً هو العلاج الشافي لكلّ مشاكلنا وأزماتنا إذ كانت العروض الصينية والروسية والإيرانية كفيلة بمعالجة الكثير من المشكلات لا سيما الكهرباء والمحروقات والمصافي والمواصلات وسكك الحديد والأنفاق والنفايات وغيرها، الأمر الذي يحفز النمو ويؤدي بالتالي إلى نهوض القطاعات كلها، ولكن الانقسامات الداخلية والميل المفرط للذهاب غرباً جعلنا ندور حول أنفسنا ونتخبّط في أزماتنا إلى اليوم…

فهل يكون العام الجديد 2026 هو عام الحلول؟ أمّ أنّنا سنستمرّ في المراوحة والتأجيل والمماطلة إلى ما شاء الله…؟

*المصدر: المرده | elmarada.org
اخبار لبنان على مدار الساعة