خاص الهديل: درس قسد: تركيا والمنطقة..
klyoum.com
أخر اخبار لبنان:
إصابة مراسل قناة RT ستيف سويني ومصوره بهجوم إسرائيلي في جنوب لبنانخاص الهديل….
بقلم: ناصر شرارة
رغم أن الضجيج السياسي والعسكري العالمي والإقليمي تركز في الأسابيع الأخيرة على سيناريو الحرب الوشيكة في إيران؛ إلا أن الفعل السياسي والعسكري الدولي والإقليمي حدث فعلياً في سورية. ويكاد الأمر يشبه الخديعة المعروفة التي تشعل ناراً بمكان للفت النظر عن الحريق الكبير الذي يتم إشعاله بمكان آخر. والواقع أن ما حصل في سورية خلال الأيام العشرة الأخيرة أمر غاية في الأهمية بالنسبة للداخل السوري وبالنسبة لكل الإقليم؛ وفحواه بكلمات قليلة: تفكيك بنية أقوى وأكبر حليف للولايات المتحدة الأميركية في سورية؛ أي تنظيم قسد..
في العام ٢٠١٥ قامت الولايات المتحدة تحت تأثير حاجتها الماسة للتحالف مع جسم عسكري محلي لمقاتلة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سورية؛ بإنشاء قوات سورية الديموقراطية (قسد) المشكّلة من الأكراد بالأساس؛ وأضافت واشنطن لقسد مع الوقت عشائر عربية وبيئات من الكلدان، الخ.. والسبب الذي جعل واشنطن ترعى ولادة قسد وتدعم نموها بسخاء يعود لكون المستوى السياسي الأميركي لم يكن يريد التعاون أو الاعتراف بنظام الأسد؛ فلذلك لجأ لتسييد الأكراد على منطقة واسعة من شمال شرق سورية قدرت مساحتها بثلث سورية.
وخلال فترة غير قصيرة ظهر أن التحالف الأميركي مع كرد سورية ممثلين بقسد ما عاد يمكن فكه وأن واشنطن ستكافأ الكرد بنهاية الأمر بتحقيق حلمهم بإنشاء دولة لهم في سورية.
خلال الأيام الماضية تساقط هذا الرهان على دعم أميركا لدولة للكرد أو لنوع من الاستقلال الكردي في سورية كقصر من الكرتون. بدا أن ما حذر منه مسعود البرزاني قبل فترة غير قصيرة كان صحيحاً. ففي مقابلة تلفزيونية له من أكثر من عامين قال البرزاني إن كرد سورية (يقصد قسد) يقاتلون من دون أفق سياسي؛ فهم لم يبنوا تفاهماً على اتفاق واضح يضمن مصالحهم مع النظام، وهم أيضاً لم يبنوا تفاهماً أو اتفاقاً واضحاً يضمن مصالحهم مع المعارضة. وتوقع البرزاني أن يخسر الكرد في نهاية المطاف سواء فاز النظام بالحرب أو سواء فازت المعارضة.
والواقع أنه بالنسبة لقسد فإن السؤال الآن هو عن سبب موقف إدارة ترامب الذي خذل نحو عقد من الرهان الكردي على انحياز واشنطن لهم. السؤال في قسد هو لماذا خانت الولايات المتحدة الأميركية الكرد في سورية؟؟. ولكن السؤال عند الكرد هو عن مدى فداحة الثمن الباهظ الذي دفعته البيئة الكردية السورية جراء سياسات وخيارات قسد الخاطئة.
نبيل فهمي وزير خارجية مصر الأسبق والسفير المصري لفترة سابقة طويلة في الولايات المتحدة الأميركية، لديه وجهة نظر يمكن استعارتها للإجابة عن استغراب الكرد "لخيانة" واشنطن لقسد رغم كل ما قدمته من خدمات لها؛ يجزم فهمي في تقويمه للتفكير السياسي الأميركي بأن الأميركيين لا يتعاملون على أساس مبدأ مكافأة الولاء؛ وأنهم أيضاً لا يتعاملون على أساس تاريخي بل مادي بحيث أنهم يعطون أولوية للحظة وتوازنات مصلحتهم خلالها.
ووفقاً لرؤية فهمي فإن ما حصل الآن هو أن الأكراد وجدوا أنفسهم خارج لحظة توازنات المصلحة الأميركية؛ ولذلك محى الأميركيون كل التاريخ المشترك لهم مع الكرد في قتال داعش؛ وبدل ذلك بدأوا يستعيضون عن تحالفهم مع قسد لقتال داعش، بتحالف راهن مع الشرع الذي انضم الى التحالف الدولي لقتال تنظيم الدولة الإسلامية الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية.
الأميركيون هم أولاد اللحظة وتوازناتها؛ ويبدو واضحاً أن توازنات اللحظة السورية تحتم على واشنطن مراعاة ثلاث مصالح استراتيجية: المصلحة الأولى عدم جعل سورية تماس منازلة بين واشنطن وأنقرة؛ المصلحة الثانية هي تنظيم النفوذ في سورية بين إسرائيل وتركيا؛ المصلحة الثالثة ضمان بقاء إيران خارج سورية؛ وجعل سورية في فلك المصالح الجديدة لأميركا..
ويلاحظ في هذا المجال أن تركيا وليس إسرائيل هي نقطة الارتكاز الذي تبني عليها واشنطن رسم توازن سوريا الجيوسياسي الجديد؛ وهذا يجب أن يطرح أسئلة عن التأثيرات التي ستنتج عن هذا التوجه الأميركي الخاص "بتتريك" الجيوبولتيك السوري على ليس فقط الكرد بل على كل دول المنطقة وبخاصة الدول المحيطة بسورية.
خلاصة القول أن أحداث سورية الأخيرة لن تضع فقط كرد المنطقة في مسار جديد؛ بل ستضع كل المشرق في مسار جيوسياسي جديد، وليس مضموناً ما إذا كان سيؤدي لاستقرار أم لمزيد من المشاكل.