الدول لا تدار بردود الفعل … بل بقدر كبير من الحكمة
klyoum.com
أخر اخبار لبنان:
لقاءات وزارية ونيابية وديبلوماسية في قصر بعبدافي لحظة سياسية دقيقة، تعود قضية طرد السفير الإيراني إلى واجهة النقاش اليوم داخل مجلس الوزراء الذي ينعقد اليوم، لا كقرار إداري عابر، بل كاختبار فعلي لمفهوم السيادة وحدودها، ولقدرة الدولة على إدارة توازناتها الداخلية والخارجية في آن واحد.
المعلومات تشير إلى أن جلسة اليوم لن تمر بهدوء، إذ سيطرح وزراء “الثنائي الشيعي” مسألة أوسع من الإجراء بحد ذاته، متسائلين عن معيارية القرار وهل سيقتصر على سفير بعينه، أم يفتح الباب أمام مقاربة شاملة لكل السفراء الذين يُتهمون بالتدخل في الشؤون الداخلية؟ وهل سيكون هناك "صيف وشتاء على سقف واحد" واذا كان لا بد من استدعاء سفراء سيتم خلال الجلسة طرح استدعاء العديد من السفراء الذين يتدخلون في شاردة وواردة اي قرار لبنان، وسيكون السؤال الابرز حول عن الانتقائية السياسية.
قانونياً، المسألة ليست بسيطة. فالدولة تملك، وفق الأعراف الدبلوماسية واتفاقية فيينا، حق سحب الموافقة على اعتماد أي سفير، لكن هذا الحق يفترض أن يُمارس ضمن سياق واضح ومُبرر، بعيداً عن الكيدية أو التوظيف السياسي. أي قرار من هذا النوع يجب أن يكون جزءاً من سياسة خارجية متماسكة، لا مجرد رد فعل ظرفي تحت ضغط الانقسام الداخلي.
أما سياسياً، فإن تداعيات الخطوة – إن حصلت – لن تقف عند حدود العلاقة مع إيران، بل ستنعكس على شبكة العلاقات اللبنانية مع مختلف الدول، وعلى صورة لبنان كدولة قادرة على ضبط إيقاعها الداخلي. فحين تغيب المعايير الواضحة، يتحول القرار السيادي إلى مادة سجال داخلي بدل أن يكون عامل تثبيت للاستقرار.
وفي خضم هذا التوتر، يبرز خطاب آخر لا يقل أهمية، يتجاوز السياسة إلى القيم. فالبعض ممن يرفعون شعارات دينية، مدعوون للتوقف عند جوهر الرسالة التي يدّعون الانتماء إليها. تعاليم يسوع المسيح لم تكن يوماً دعوة للكراهية أو التحريض أو تصفية الحسابات، بل نداء للمحبة وضبط النفس، حتى في أشد لحظات الخلاف قال "أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم" وهي ليست مجرد عبارة روحية، بل معيار أخلاقي يُفترض أن ينعكس في السلوك والمواقف فكيف اذا كان ضبط النفس يتعلق بقرارات ديبلوماسية تمس العلاقات ليس بين الناس بل بين الدول.
لبنان اليوم ليس بحاجة إلى مزيد من الانقسامات ولا إلى استثمار في الأحقاد، البلد، بكل وضوح "على كف عفريت"، وأي خطوة غير محسوبة، سواء كانت دبلوماسية أو إعلامية أو شعبوية، قد تدفعه إلى مزيد من الاهتزاز.
بين السيادة والقانون، وبين السياسة والأخلاق، يقف القرار المرتقب أمام امتحان مزدوج: أن يكون عادلاً في مضمونه، ومتزناً في توقيته، ومسؤولاً في تداعياته. فالدول لا تُدار بردود الفعل، بل ببوصلة واضحة… وبقدر كبير من الحكمة.