رغم كل الأزمات... الصادرات اللبنانية تقهر التحدّيات وتفرض نفسها عالمياً!
klyoum.com
نوال أبو حيدر
في بلد يرزح تحت وطأة أزمات اقتصادية ومالية غير مسبوقة، من انهيار العملة وغياب التمويل إلى ارتفاع كلفة الإنتاج وأزمات الطاقة والخدمات، يبرز سؤال أساسي حول قدرة الصادرات اللبنانية على الاستمرار. فعلى الرغم من الضغوط المتراكمة داخل لبنان، تظهر الأرقام الأخيرة أن المنتج اللبناني لا يزال حاضرا في الأسواق الخارجية، ولا سيما الأوروبية، مسجلا نموا محدودا لكن لافتا. هذا الواقع يفتح الباب أمام نقاش جوهري: هل ما نشهده اليوم هو صمود ظرفي فرضته الظروف، أم مؤشر فعلي على قدرة القطاعات الإنتاجية اللبنانية على تجاوز الأزمات وتحويل التحديات الداخلية إلى فرصة؟ وبين المؤشرات الإيجابية والعوائق البنيوية، يبقى مصير الصادرات اللبنانية مرتبطا مباشرة بالسياسات الداخلية، والدعم الإنتاجي، وقدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من مقومات الاستمرار.
لبنان في الميزان: صمود وصعود
من هذا المنطلق، يؤكد المدير العام لوزارة الاقتصاد والتجارة، الدكتور محمد أبو حيدر، لصحيفة «اللواء» أن «بيانات التجارة الخارجية خلال العشرة أشهر الأولى من عام 2025 تظهر ثباتا نسبيا في أداء الصادرات اللبنانية إلى الاتحاد الأوروبي، على الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة والتحديات البنيوية التي تواجه مختلف القطاعات الإنتاجية».
ويتابع: «الصادرات اللبنانية إلى دول الاتحاد الأوروبي سجلت نحو 474.9 مليون يورو خلال الفترة من كانون الثاني حتى تشرين الأول 2025، مقارنةً بـ 439.7 مليون يورو في الفترة نفسها من عام 2024، مسجلة ارتفاعا يقارب 8%، مما يعكس قدرة المنتج اللبناني على الصمود والحفاظ على حضوره في أحد أكثر الأسواق العالمية تنافسية».
في المقابل، يشير أبو حيدر إلى أن «الواردات اللبنانية من دول الاتحاد الأوروبي ارتفعت لتصل إلى نحو 4.52 مليار يورو خلال الفترة نفسها، مقابل 4.25 مليار يورو في 2024»، مشدّدا على أن «هذه الأرقام تظهر استمرار اعتماد السوق اللبنانية على المنتجات الأوروبية، خصوصا في المعدات والآلات والمنتجات الصناعية والدوائية، وفي الوقت نفسه تؤكد الحاجة الملحة لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليص فجوة الميزان التجاري».
الصادرات تستعيد عافيتها؟
في سياق متصل، يؤكد أبو حيدر أن «بعض الصادرات الصناعية اللبنانية حققت أداء إيجاببا لافتا، لا سيما تلك المرتبطة بالمواد الأولية وسلاسل التوريد. فعلى سبيل المثال، بلغت صادرات نفايات وخردة النحاس إلى الاتحاد الأوروبي نحو 58 مليون يورو، مقابل 28 مليون يورو في العام السابق، ما يبرز مكانة لبنان كمصدر رئيسي للمواد القابلة لإعادة التدوير ضمن الاقتصاد الدائري».
وفي الوقت نفسه، يضيف: «سجلت صادرات المكونات المستخدمة في المعدات الكهربائية، والمنتجات الخزفية والجلدية، إضافة إلى الأثاث، نموا تدريجيا، مستفيدة من الطلب الأوروبي المتزايد على المنتجات الحرفية ذات القيمة المضافة، مما يعكس قدرة الصناعة اللبنانية على التكيف مع الأسواق المنافسة وتعزيز حضورها الدولي».
صادرات تتألّق!
وفيما يخص الصادرات اللبنانية من الصناعات الغذائية والمشروبات يؤكد أبو حيدر أنها «حافظت على استقرار نسبي بلغ نحو 55 مليون يورو، مع تنوع واضح يشمل منتجات المخابز، النبيذ، البيرة، الفواكه، والمكسرات المحضرة، مما يعكس قدرة القطاع على التكيف مع الطلب الأوروبي والحفاظ على حصته في الأسواق».
كما يشدّد على «أهمية القطاع الزراعي كركيزة أساسية لتعزيز الصادرات اللبنانية، حيث بلغت صادراته نحو 13 مليون يورو، مع بروز منتجات مميزة، إذ ان هذه القطاعات لا تعزز فقط الاقتصاد الوطني، بل تساهم أيضا في إبراز الهوية اللبنانية وجودة منتجاتها على الساحة الدولية». مشيرا إلى أن «دعم هذه القطاعات وتنمية قدراتها الإنتاجية والتصديرية يشكّل عنصرا حيويا لضمان استدامة الصادرات وتنويعها، وتعزيز موقع لبنان في الأسواق العالمية، مشددا على ضرورة الاستثمار في الجودة والابتكار للحفاظ على تنافسية المنتجات اللبنانية».
بالصناعة والزراعة... لبنان يقوّي صموده
أمام كل تلك المعطيات، يعتبر أبو حيدر أن «الصناعة والزراعة تشكّلان خشبتي الخلاص للاقتصاد الوطني، والعمل على تعزيز هذين القطاعين ليس خيارا بل ضرورة استراتيجية لضمان استقرار الاقتصاد اللبناني وتنمية فرص العمل».
ويوضح أن «سياسات واضحة وداعمة للإنتاج المحلي، تشمل حماية الملكية الفكرية وتطوير العلامات التجارية، وتسهيل النفاذ إلى الأسواق الخارجية، تمثل أدوات حيوية لتقوية قدرة لبنان على المنافسة عالميا».
ويشير إلى أن «هذه السياسات لا تقتصر فوائدها على زيادة الإنتاج فحسب، بل تمتد لتشمل خلق فرص عمل مستدامة، وتحسين الميزان التجاري من خلال زيادة الصادرات وتقليل الاعتماد على الواردات، وتعزيز قدرة لبنان على الانخراط بشكل فعّال في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية».
أين تكمن ركيزة النمو؟
وعليه، يختم: «الدعم القطاع الخاص والمبادرات الخاصة ضمن رؤية اقتصادية يجب أن يسيرا جنبا إلى جنب، لضمان أن يكون القطاعان الزراعي والصناعي ليسا فقط ركائز للصمود الاقتصادي، بل محركات للنمو المستدام، بما يعزز مكانة لبنان الاقتصادية ويصنع نموذجا يحتذى به في المنطقة».