هذا "ذنب" الرئيس عون في نظر قاسم!
klyoum.com
حين يتحدث نعيم قاسم عن أن «سلوك السلطة ينقض العيش المشترك»، يصبح السؤال الطبيعي: أي عيش مشترك يقصد؟ فالعيش المشترك في لبنان لا يمكن أن يعني أن يشترك اللبنانيون في نتائج الحرب، بينما لا يشتركون في القرار الذي يقود إليها، ولا يمكن أن يتحول إلى عنوان يُرفع كلما حاولت الدولة استعادة صلاحياتها الطبيعية.
فالسلطة التي تحاول تثبيت قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وحماية لبنان واللبنانيين، ووقف القصف عن بيروت والداخل، وفتح المسارات السياسية والدبلوماسية، لا تنقض العيش المشترك، بل تحاول وضعه على قاعدة واضحة دولة واحدة، قرار واحد، ومسؤولية واحدة عن أمن جميع اللبنانيين.
أما أن يحتفظ طرف بقرار عسكري مستقل، ثم يعتبر أي محاولة لإعادة هذا القرار إلى الدولة نقضاً للعيش المشترك، فهنا يصبح الخلاف الحقيقي ليس حول التعايش بين اللبنانيين، بل حول من يملك القرار في لبنان. فالعيش المشترك لا يعني أن يكون اللبنانيون شركاء في الحرب، وأن يتقاسموا القصف والدمار والنزوح والخسائر، فيما لا يكونون شركاء في قرار الذهاب إلى المواجهة.
ومن هنا تكتسب عبارة قاسم بأن المعركة «طويلة على رقبتكم» دلالتها. فإذا كانت الحرب على رقبة اللبنانيين جميعاً، فمن قرر أن تكون كذلك؟ وهل المطلوب من الدولة أن تقبل بأن يكون البلد كله في مواجهة مفتوحة، ثم تُحاسب عندما تحاول إيقافها؟ وهل يصبح رفض الدولة لهذا المنطق انتهاكاً للعيش المشترك، فيما وظيفتها الأولى حماية جميع اللبنانيين، بمن فيهم الذين يختلفون مع حزب الله في خياراته السياسية والعسكرية؟
أما الاستناد إلى الصمود في علي الطاهر ثلاثة أشهر، والقول إن الأساس ليس المحافظة على المكان وإنما «العمل الذي نقوم به»، فلا يغيّر جوهر المسألة. الدولة لا تنظر إلى لبنان من زاوية موقع عسكري واحد، ولا تقيس مصلحة شعبها بعدد الأشهر التي يستطيع فيها موقع أن يصمد تحت النار. الدولة تنظر إلى البلد كله، إلى الإنسان وبيته واقتصاده ومستقبله، وإلى حق اللبناني في أن يعيش من دون أن تكون الحرب قدراً دائماً مفروضاً عليه.
وهنا تحديداً يظهر دور الرئيس جوزاف عون. فهو يحاول، وسط ظروف بالغة التعقيد، أن يعيد الدولة إلى موقعها الطبيعي، وأن يجعل الجيش مؤسسة وطنية تحمي الجميع، وأن يكون قرار الحرب والسلم قراراً صادراً عن المؤسسات الشرعية. كما أن السعي إلى وقف القصف عن بيروت والداخل وفتح أبواب السياسة والدبلوماسية لا يعني التخلي عن السيادة، بل يعني ممارسة السيادة من موقع الدولة التي تتحمل مسؤولية شعبها.
فهل يصبح ذنب عون أنه يريد حماية لبنان من حرب جديدة؟ وهل يصبح ذنبه أنه يريد أن يكون الجيش جيشاً وطنياً لا أداة بيد أي طرف؟ وهل يصبح ذنبه أنه يريد أن يكون اللبناني شريكاً في القرار قبل أن يكون شريكاً في الخسائر؟
إذا كان هذا هو «نقض العيش المشترك»، فليكن هذا ذنب عون: ذنب إعادة القرار إلى الدولة، وذنب حماية اللبنانيين، وذنب محاولة إخراج لبنان من منطق الساحة إلى منطق الدولة.
أما ما ينقض العيش المشترك فعلاً فهو أن يشعر جزء من اللبنانيين بأن قرار الحرب يُتخذ نيابة عنهم، ثم يُطلب منهم الصمود عندما تبدأ الحرب، وأن يتحول الاعتراض على السلاح والقرار خارج الدولة إلى تهديد للوحدة الوطنية. فالعيش المشترك الحقيقي لا يقوم على تقاسم الخسائر، بل على المساواة في الحق بالقرار.
لبنان لا يحتاج إلى شراكة في الحرب، بل إلى شراكة في صناعة السلام. ولا يحتاج إلى أن يتساوى أبناؤه في الخوف والدمار، بل إلى أن يتساووا في حقهم بتقرير مستقبل بلدهم.
فالعيش المشترك لا ينقضه من يحاول أن يجعل الدولة مرجعاً للجميع؛ ينقضه أن يكون القرار لفريق، فيما تكون الحرب والخسائر على رقبة الجميع.