الكباش بين السيادة والأجندات الخاصة ـــ تابع!
klyoum.com
كتبت نادين سلام في اللواء…
في ظل السباق المحموم في المنطقة بين التصعيد العسكري ووضع ملف المفاوضات الأميركية–الإيرانية على نار حامية، يغرق لبنان مجدداً في رمال الانقسامات الداخلية المتحركة، حيث تتغلب الحسابات الضيقة على المصلحة الوطنية، كالعادة. وقد تحوّل قرار الحكومة السيادي بمغادرة السفير الإيراني محمد رضا الشيباني إلى ملف خلافي جديد، يستثمره حزب الله في مواجهة الحكومة، ضمن محاولاته المستمرة لتقويض سلطة الدولة والتأكيد على سيطرة «الدويلة» على مفاصل القرار اللبناني.
إن حروب الإسناد التي قرر الحزب خوضها بشكل أحادي، وجرّ لبنان الرسمي والشعبي إليها، في معركة تفتقد أدنى مقومات التوازن العسكري، لم تجلب سوى الويلات على مختلف الأصعدة الاقتصادية والمعيشية والأمنية. في المقابل، يستمر ضخ السرديات التي تعمِّق الهوة بين قاعدته الشعبية وباقي شركائها في الوطن، بهدف إحكام السيطرة عليها ومنعها من الانخراط تحت مظلة الدولة.
ورغم الارتباط العضوي والعقائدي بين حزب الله وإيران، يبقى السؤال مشروعاً: لماذا تقتصر مساندة إيران في صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل على ذراعها اللبناني، فيما تقف باقي الأذرع في موقع المتفرِّج؟ وإذا كان الحزب يتهم الحكومة بالتفرُّد في قرار مغادرة السفير الإيراني، فكيف يُصنّف قراره المفاجئ بالانخراط في معركة «الثأر»، والذي صدم حتى حلفاءه، وعلى رأسهم الرئيس نبيه بري، قبل خصومه في الداخل؟
لقد زُجَّ لبنان في حرب تغيب عنها موازين القوى، وفُرض على شعبه واقع معيشي مأساوي، فيما تكبّدت الدولة أعباءً اقتصادية ومالية تفوق قدراتها بكثير. ومع ذلك، يُنصِّب البعض نفسه حكماً للمحاسبة، في مشهد يبدو فيه القاضي هو الجلاد. اليوم، تقف الدولة اللبنانية بين مطرقة الآلة العسكرية الإسرائيلية وسندان النشاط العسكري الخارج عن الشرعية، إضافة إلى ضغوط دولية تدفع نحو تحييد لبنان وفصل مسار الدولة عن خيارات الحزب.
مهما تكن نتائج الحرب الدائرة في الإقليم، فإن الواقع بات مختلفاً، ولا مجال للعودة إلى ما كان عليه سابقاً. وحتى في أفضل السيناريوهات، لن تتوفر فرص إعادة الإعمار إلا في ظل فرض الدولة سلطتها الكاملة وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني. وهذا قرار سيادي يحظى بدعم دولي واضح، ولا يبدو أن هناك تراجعاً عنه.
من هنا، يمكن فهم خطوات الحكومة على أنها رسائل للخارج تهدف إلى تجنيب لبنان الانزلاق نحو مواجهة غير متكافئة مع إسرائيل، وتفادي تحوّله إلى ساحة دمار شاملة. غير أن أي تصعيد داخلي، أو محاولة لإسقاط الحكومة على خلفية هذا القرار، قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة، من بينها تعميق الانقسام الداخلي وفتح أبواب الفوضى، خصوصاً في ظل الاحتقان القائم بين بيئات اجتماعية تعاني ضغوطاً معيشية وأمنية خانقة.
في المحصلة، لا الدولة عدو، ولا السفير رمز للسيادة، ولا الخلاف في الرأي خيانة. إن هذه التصنيفات المغلوطة لا تؤدي إلا إلى ضرب العيش المشترك وتقويض فكرة الدولة الجامعة. فرغم كل أزماتها، تبقى الدولة الإطار الوحيد القادر على إدارة الأزمات ومحاولة حماية ما تبقى من استقرار. والسؤال يبقى: هل من يلاقيها في منتصف الطريق، أم أن الولاءات الخارجية ستبقى أقوى من كل اعتبار!
«فالدولة لا تُبنى بالشعارات، بل تُبنى بالواقعية وتغليب المصلحة الوطنية على كل اعتبار».(الحبيب بورقيبة)