اخبار لبنان

ام تي في

سياسة

بين فخّ أنقرة... وفرصة واشنطن

بين فخّ أنقرة... وفرصة واشنطن

klyoum.com

يتوجه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن في الحادي والعشرين من تموز للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حاملاً معه أكثر من مجرد ملف سياسي أو دبلوماسي. فهو يذهب في لحظة مفصلية ومصيرية، حاملاً مسؤولية إنهاء الحرب القائمة بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، وفي الوقت نفسه تحديد مستقبل الجمهورية اللبنانية وموقعها في المرحلة المقبلة.

ليست هذه زيارة بروتوكولية، ولا محطة جديدة في مسار العلاقات التقليدية بين بيروت وواشنطن. إنها لحظة اختبار حقيقية، لأن السؤال المطروح أمام لبنان لم يعد فقط كيف ينهي جولة جديدة من الصراع أو كيف يوقف نزيف الأزمة، بل أي لبنان يريد أن يكون في الشرق الأوسط الجديد الذي يتشكل.

الرئيس عون يدرك أن واشنطن، ولا سيما إدارة الرئيس ترامب، تنظر إلى لبنان اليوم من زاوية مختلفة: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تستعيد قرارها وأن تكون شريكاً في صناعة الحل، أم أنها ستبقى أسيرة التوازنات التي جعلت منها ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية؟

ولهذا، فإن إنهاء الحرب وحده، رغم أهميته، لن يكون كافياً. فحتى يحافظ لبنان على دعم الرئيس ترامب لمسار المفاوضات التي ترعاها واشنطن، يحتاج الرئيس عون إلى الذهاب أبعد من المطالب التقليدية، وإلى تقديم رؤية استراتيجية واضحة تقوم على مفتاحين أساسيين يمكن أن يشكلا نقطة التحول في علاقة لبنان مع الولايات المتحدة ومع المجتمع الدولي.المفتاح الأول، وربما الأكثر حساسية، هو أن يذهب الرئيس عون إلى واشنطن برسالة واضحة لا تحتمل التأويل: لبنان يريد إنهاء حالة الحرب، وليس فقط إدارة وقف إطلاق النار. وهذا يعني أن يقول، بصراحة وشجاعة، إن لبنان مستعد بثبات وعن قناعة لعقد اتفاقية سلام مع إسرائيل في الوقت المناسب، بما يحفظ حقوقه وسيادته ومصالحه الوطنية.قد تكون هذه العبارة هي الأكثر صعوبة في الداخل اللبناني، لكنها في الوقت نفسه قد تكون الرسالة التي تريد واشنطن سماعها. فالمسألة لم تعد فقط كيفية وقف جولة جديدة من القتال، بل كيفية الانتقال من منطق الصراع الدائم إلى منطق الدولة الطبيعية التي تحدد خياراتها بنفسها.وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الإشارات التي صدرت من الجانب الإسرائيلي في الفترة الأخيرة. فقد تحدث السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة ييخئيل لايتر عن أن العمل جارٍ على إعداد تصور لاتفاق سلام شامل مع لبنان، على أن يُحفظ هذا التصور بانتظار الظروف السياسية والأمنية التي تسمح بوضعه موضع التنفيذ، وفي مقدمها معالجة مسألة سلاح حزب الله ودوره خارج إطار الدولة.كما تحدث لايتر بإيجابية عن رؤيته لما يمكن أن يرافق مثل هذا الاتفاق من مرحلة جديدة تشمل إعادة إعمار جنوب لبنان، وتطوير العلاقات التجارية، وتسهيل حركة السفر، وفتح السفارات، وتنشيط السياحة، وكل ما يمكن أن ينتج عن انتقال العلاقة من حالة العداء إلى حالة تعاون بين دولتين جارتين.قد يختلف اللبنانيون حول هذه الطروحات، وهذا أمر طبيعي في قضية بهذا الحجم والحساسية. لكن تجاهلها لا يشكل سياسة. فالدول لا تنتظر اللحظة المناسبة كي تبدأ التفكير؛ بل تستعد لها مسبقاً، وتصوغ رؤيتها بما يحمي مصالحها الوطنية.إذا كانت إسرائيل، بحسب ما يعلنه مسؤولوها، تستعد لمرحلة ما بعد الحرب وتضع تصوراً على الرف إلى حين نضوج الظروف، فمن مصلحة لبنان أيضاً أن يمتلك تصوره الخاص، لا أن يجد نفسه أمام خيارات صاغها الآخرون. فالقرار في النهاية يجب أن يكون لبنانياً، والمبادرة يجب أن تأتي من الدولة اللبنانية، وفق حساباتها ومصالحها وسيادتها.أما المفتاح الثاني، فهو أن يطلب لبنان بوضوح من الولايات المتحدة النظر في إقامة شراكة دفاعية استراتيجية، تصل إلى مستوى اتفاقية دفاع مشتركة، تكون بمثابة مظلة تحمي سيادة لبنان وتدعم بناء دولة قادرة على احتكار قرارها الأمني والعسكري.وهذا الطرح ليس مجرد فكرة نظرية. فقد سبق للسيناتور الأميركي ليندسي غراهام أن صرّح خلال زيارته إلى لبنان في آب 2025 إلى إمكانية قيام علاقة دفاعية أعمق بين واشنطن وبيروت، في حال تمكن لبنان من تعزيز مؤسساته العسكرية وإنهاء ازدواجية السلاح، وبناء جيش قادر على حماية جميع اللبنانيين.هذان المفتاحان هما ما يمكن أن يحولا زيارة الرئيس عون من زيارة تفاوضية عادية إلى لحظة استراتيجية. فواشنطن لا تبحث فقط عن نهاية مؤقتة للحرب، بل عن شريك قادر على اتخاذ قرار تاريخي. ولبنان أمام فرصة نادرة ليقول إنه لا يريد فقط الخروج من الأزمة، بل يريد تغيير المسار الذي أوصله إليها.لكن هذه الفرصة الأميركية، على أهميتها، ليست مضمونة إلى الأبد. فالرئيس ترامب، المعروف ببراغماتيته وبحثه عن النتائج، أعطى دعماً لمسار المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية التي تُعقد في واشنطن، والتي تُتابع تحت إشراف وزير الخارجية ماركو روبيو، انطلاقاً من قناعة بأن هناك نافذة يمكن من خلالها إنهاء أحد أكثر الملفات تعقيداً في المنطقة. إلا أن واشنطن لا تقيس الأمور بالنوايا فقط، بل بالقدرة على التنفيذ. فالدعم الأميركي سيبقى مرتبطاً بقدرة الدولة اللبنانية على إثبات أنها صاحبة القرار، وأنها قادرة على ترجمة التزاماتها إلى خطوات عملية. وإذا لم يتمكن لبنان من التقاط هذه اللحظة أو تقديم الإجابات التي تنتظرها الإدارة الأميركية، فإن الفراغ لن يبقى قائماً، وقد تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى البحث عن مقاربات أخرى.وهنا تحديداً يظهر فخ أنقرة.ففي الوقت الذي يستعد فيه الرئيس عون لزيارة واشنطن، انعقدت قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، حيث كان لبنان غائباً عن جدول المدعوين، لكنه لم يكن غائباً عن حسابات اللاعبين الإقليميين والدوليين. فالملف اللبناني حضر في اللقاءات التي جمعت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالرئيس ترامب والرئيس السوري أحمد الشرع، في ظل الدور الذي يؤديه السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث إلى سوريا والعراق توم براك، الذي بات أحد أبرز الشخصيات المؤثرة في صياغة المقاربات الأميركية الجديدة في المنطقة.المشكلة ليست في أن يناقش الآخرون مستقبل لبنان، فهذا واقع اعتاد عليه اللبنانيون منذ عقود. المشكلة الحقيقية هي أن يجد لبنان نفسه مرة أخرى موضوعاً على طاولات التفاوض، لا طرفاً مشاركاً في صياغة مستقبله.وفي هذا السياق، فإن ما يتداول عن المقاربة التركية تجاه لبنان يستحق التوقف عنده. فهناك حديث عن مظلة إسلامية عربية تسعى تركيا إلى تسويقها، تضم دولاً مثل تركيا ومصر وباكستان وقطر والسعودية وماليزيا، وتقوم على إطار تعاون سياسي واستراتيجي قد يمتد تأثيره إلى ملفات المنطقة، ومنها الملف اللبناني.لا تكمن الإشكالية في قيام أي دولة بعلاقات أو مبادرات إقليمية، فهذا أمر طبيعي في عالم السياسة. لكن السؤال الأساسي بالنسبة إلى لبنان هو: هل هذه الترتيبات ستساعده على استعادة سيادته وقراره الوطني، أم أنها ستعيد وضعه ضمن شبكة جديدة من التوازنات الخارجية التي تحدد له خياراته وحدوده؟ وتزداد علامات الاستفهام مع ما يرشح عن لقاءات واتصالات تجري بعيداً عن الأضواء، برعاية تركية، بين النظام السوري الجديد وحزب الله، تتناول مستقبل العلاقة بين الطرفين وإمكانية إعادة ترتيب وضع الحزب داخل المعادلة اللبنانية.فالخطر الذي يجب التنبه له هو أن تتحول أي مقاربة مستقبلية إلى محاولة لإعادة إنتاج المشكلة نفسها بصيغ جديدة، عبر الإبقاء على نفوذ الحزب ومؤسساته أو البحث عن ترتيبات تدمج جزءاً من بنيته داخل الدولة، من دون معالجة جوهر الأزمة: وجود قرار عسكري وأمني خارج المؤسسات الشرعية.فلبنان لا يحتاج إلى إعادة تدوير المشكلة نفسها. جوهر الأزمة لم يكن فقط وجود خلافات سياسية، بل وجود قوة مسلحة موازية للدولة جعلت القرار اللبناني مرتبطاً بتوازنات خارجية، وأبقت البلاد عرضة للحروب التي لا يقررها جميع اللبنانيين.ومن هنا يعود النقاش إلى أصل المشكلة: أي دولة يريد اللبنانيون بناءها؟ فالمعارضة الشرسة التي يواجهها الرئيس عون في الداخل لا تتعلق فقط بتفاصيل سياسية آنية، بل بصراع أعمق حول هوية الدولة وموقعها. هناك قوى ترى أن بقاء لبنان ضمن شبكة النفوذ الإيراني، عبر استمرار دور حزب الله كقوة عسكرية وسياسية تتجاوز الدولة، هو جزء من معادلة المنطقة. وهناك في المقابل مشروع آخر يرى أن خلاص لبنان يبدأ باستعادة الدولة لقرارها الكامل، وإنهاء أي سلاح خارج مؤسساتها، والانفتاح على علاقات طبيعية مع محيطه والمجتمع الدولي.وهذا الصراع لا يقتصر على حزب الله وحده، بل يشمل منظومة سياسية عميقة تشكلت على مدى عقود، واستفادت من غياب الدولة ومن نظام قائم على التسويات والمحاصصة. ولذلك فإن أي محاولة لإعادة تعريف موقع لبنان ستواجه مقاومة من قوى ترى في التغيير تهديداً لنفوذها ومصالحها.وفي هذا الإطار، يصبح اتفاق الطائف جزءاً من النقاش الوطني. فلا يمكن إنكار أن الطائف شكّل محطة تاريخية أنهت الحرب الأهلية اللبنانية، لكنه، بعد أكثر من ثلاثة عقود على تطبيقه، لم يتحول إلى مشروع دولة مكتملة. فقد أثبتت التجربة أن الصيغة الحالية أنتجت نظاماً عاجزاً عن بناء مؤسسات قوية، وأبقت لبنان رهينة التوازنات الطائفية والفساد وتعطيل القرار.ولهذا، فإن أي نقاش حول مستقبل لبنان لا يمكن أن يبقى أسير الخوف من تطوير النظام. فاللبنانيون لا يبحثون عن مغامرة سياسية، بل عن صيغة دولة قادرة على حماية مواطنيها، وإطلاق اقتصادها، وإعادة بناء ثقة العالم بها.في النهاية، فإن المعركة الحقيقية التي يخوضها لبنان ليست فقط معركة إنهاء حرب أو معالجة أزمة عابرة، بل معركة استعادة صورته كدولة قادرة على التفكير بمستقبلها واتخاذ قراراتها على أساس المصلحة الوطنية.ففي البيت الأبيض، لا يجب أن يصل الرئيس جوزيف عون كرئيس دولة يطلب من الآخرين إنقاذ لبنان، بل كرئيس دولة يحمل مشروعاً واضحاً لدولة تريد أن تُنقذ نفسها. المطلوب أن يقدم لبنان نفسه كشريك موثوق، كدولة ناضجة سياسياً، تعرف ماذا تريد، وتدرك موقعها في الشرق الأوسط الجديد الذي يتشكل أمامها.لبنان يملك الكثير ليقدمه. فهو ليس مجرد ملف أمني أو أزمة إنسانية أو ساحة صراع بين المحاور. إنه بلد يمتلك طاقات بشرية واقتصادية وثقافية هائلة، وموقعاً جغرافياً يمكن أن يجعله جسراً للتواصل والاستثمار والتعاون بين الشرق والغرب.لكن الاستفادة من هذه الإمكانات تتطلب أولاً قراراً واضحاً: أن تصبح الدولة هي المرجعية الوحيدة، وأن تُبنى التحالفات على أساس المصالح الوطنية لا على أساس الولاءات الخارجية.ولهذا، فإن مهمة الرئيس عون في واشنطن ليست فقط التفاوض على نهاية حرب، بل تسويق لبنان الجديد: لبنان الذي اختار الاستقرار بدل الفوضى، والسلام بدل الاستنزاف، والنمو الاقتصادي بدل الانهيار، والشراكات الدولية بدل العزلة. الرئيس عون بحاجة إلى أن يقدم لبنان إلى الولايات المتحدة كـفريق رابح وشريك يمكن الاعتماد عليه، لا كعبء جديد في منطقة مليئة بالأزمات.بين فخّ أنقرة وفرصة واشنطن، يبقى القرار في النهاية لبنانياً. فإما أن يدخل لبنان هذه المرحلة الجديدة حاملاً مشروع دولة، أو يترك الآخرين، مرة جديدة، يكتبون مستقبله عنه.

*المصدر: ام تي في | mtv.com.lb
اخبار لبنان على مدار الساعة

حقوق التأليف والنشر © 2026 موقع كل يوم

عنوان: Armenia, 8041, Yerevan
Nor Nork 3st Micro-District,

هاتف:

البريد الإلكتروني: admin@klyoum.com