"مش رايح بكرا على الجيش..."
klyoum.com
أخر اخبار لبنان:
أميركا وأوروبا تقودان الصين نحو فائض صادرات قياسيمع أو ضدّ… ككلّ شيء، ينقسم الشارع بين مؤيّد ومعارض، وهذه المرّة على فكرة عودة التجنيد الإجباري.
أعاد موقف قائد الجيش، رودولف هيكل، تسليط الضوء على التجنيد الإجباري، الذي صدر قرار إيقافه بموجب القانون رقم 665 في 4 شباط 2005، ودخل حيّز التنفيذ في 10 شباط 2007. وقبل ذلك، توقّفت الخدمة بين عامَي 1975 و1990 بسبب الحرب الأهلية، ليبلغ عدد الذين أدّوها بين عام 1993 وموعد إلغائها 250 ألف مجنّد، تطوّع 12 ألفًا منهم في الجيش.
وكأنّ كلام «القائد» لم يأتِ من عبث. فمنذ عام 2020، جرى الحديث عن تحضيرات لإعادة التجنيد الإجباري، من دون أن يصدر قرار نهائي بشأنها، وبقي المشروع مجرّد فكرة قيد الدرس.
يُطلب الكثير من الجيش اللبناني، الذي لا يتجاوز عدد عناصره، بمختلف الرتب، نحو 60 ألفًا. وترفع قيادته الصوت للمطالبة بزيادة موازنته، تلبيةً لحاجات العسكريين وتأمينًا للمعدّات اللوجستيّة التي تدعمهم في تنفيذ مهامهم. وقد رصدت الدولة في موازنة عام 2026 اعتمادات بلغت نحو 1.14 مليار دولار، تشكّل ما يقارب 18.9 في المئة من إجمالي الموازنة، لترتفع إلى 1.35 مليار دولار في موازنة عام 2027. ولا تشمل هذه الموازنات كلفة التجنيد الإجباري، الذي يتطلّب تخصيص اعتمادات له في الموازنات المقبلة، بعد إجراء دراسة للكلفة، إذ إنّ مأكل الشباب ومشربهم ولباسهم خلال تأدية خدمة العلم ستكون على حساب الجيش.
صحيح أنّ خدمة العلم، بحسب تعليل مؤيّديها، تُعلّم الشباب الانضباط ومساعدة الآخرين وحبّ الوطن والتعلّق بمؤسساته، وغيرها من الأمور التي بتنا نفتقدها في مجتمعنا اللبناني، إلّا أنّ السؤال هو: من أين سيأتي التمويل؟ تبحث الحكومة عن مداخيل إضافية لتأمين نفقاتها ورواتب القطاع العام، وإذا ما طالت ضرائبها ورسومها المواطن اللبناني، فستستسهل، مرّة جديدة، اللجوء إلى جيبه.
أبعد من ذلك، يسافر كثير من الشباب اللبناني بغية التخلّص من الخدمة العسكرية، وإذا أُقرّ القانون اليوم، فسيفعلون الأمر عينه. وفي النتيجة، سيخسر مَن يؤدّي الخدمة سنةً من حياته، بعيدًا عن استكمال دراسته الجامعية، ومن ثمّ عن دخول سوق العمل، وسيخسر الاقتصاد اللبناني يدًا عاملة شابة وواعدة. وهذه كلفة لا تحتسبها موازنات الدولة ولا تأخذها في الحسبان عند احتساب الناتج المحلي.
لم توقف خدمة العلم الاحتقان الطائفي، ولم تمنع تعدّد الانتماءات الحزبية والارتباطات الخارجية خلال ثلاثين سنة من الحرب الأهلية. فمَن لم يكن يعرف حمل السلاح تعلّمه في معسكرات الأحزاب آنذاك، ليقاتل كلّ فريق من أجل قضية تختلف عن قضايا الآخرين. ولا يختلف زمننا هذا عمّا مضى؛ فالنفوس مشحونة والاصطفافات لا تزال على حالها. لذا، مَن يمنع انتقال الخلافات إلى الثكنات؟
يتعلّم كلّ مَن يؤدّي خدمة العلم كيفية حمل السلاح واستخدامه، لكن مَن مِن اللبنانيين لا يعرف هذا الأمر، الذي لم يعد أصلًا حكرًا على الشباب، بل دخلت النساء بقوّة على الخط أيضًا؟
ويتعلّم المجنّد التربية وروح المواطنة وحبّ الوطن، لكن هل تكفي ستة أشهر من الخدمة لإعادة ضبط سلوكه وتزويده بالمبادئ الوطنية، إذا لم يكن قد اكتسبها في منزله؟ فالتربية تبدأ منذ الصغر، وإذا كان البعض يعوّل على خدمة العلم كي يصبح الشاب رجلًا، فنقول لهؤلاء: «ربّوا ببيتكن أوّلًا».
وإلى جانب التربية في المنزل، تؤدّي المدرسة دورًا مهمًّا على هذا الصعيد. وكي لا يبقى الكلام مجرّد انتقاد لفكرة يصعب تطبيقها اليوم، فلتُضَف الخدمة الاجتماعية إلى المناهج الدراسية، ولتُصبح خدمة العلم جزءًا من التنشئة الوطنية على مدى 15 سنة دراسية، مع تنظيم مخيّمات صيفية في المدارس لتدريب التلاميذ على أيدي ضبّاط من الجيش وعناصر من الدفاع المدني والصليب الأحمر. ويمكن استكمال هذا البرنامج بخدمة اجتماعية بعد بلوغ الشاب سنّ الثامنة عشرة، خصوصًا في حال مخالفته النظام العام والقانون.
هكذا تُبنى الأوطان، وتُحفَظ المؤسسات، وتُربّى أجيال على الشرف والوفاء، بعيدًا عن التضحية بها.