صناعة الفوضى الأهلية: الجيش آخر الضّمانات
klyoum.com
كتب فراس الشوفي في الأخبار
لبنان أكثر من أي وقتٍ مضى مهدّد بوجوده، ليس فقط بفعل العدوان الإسرائيلي، وارتفاع مخاطر انهيار الدول في الشرق الأوسط، بل بفعل ارتفاع منسوب التحريض الداخلي وتراكم العصبيات المذهبية والطائفية والمناطقية، ووقوع الدولة بمؤسساتها كافة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، أمام انقسام سياسي حاد.
ورغم خطورة هذا المشهد وتعقيداته ووجود السلاح الفردي بين أيدي اللبنانيين بشكل واسع، إلّا أن ذلك لا ينتج بالضرورة حرباً أهلية على غرار تجربة 1975، بل قد يكون الناتج أسوأ بكثير، وهو اندلاع فوضى أهلية مركّبة تُحوّل البلاد إلى جزر صغيرة مقطعة تحكمها مجموعات مسلحة محليّة، وتترافق مع انهيار اقتصادي في ظل تضخم اقتصادي عالمي.
منذ ما قبل بدء العدوان الموسّع في 2 آذار 2026، كانت وسائل إعلام عدة ومنصات نشطة على وسائل التواصل الاجتماعي تشنّ حملات شحن وتحريض ضد حزب الله، وهي ذاتها التي شنّت حملات ضد الجيش اللبناني وقائده العماد رودولف هيكل، ولم توفّر رئيس الجمهورية جوزف عون. إلّا أن هذه الوسائل انتقلت سريعاً إلى شنّ حملات ممنهجة ومركّزة ضد نحو مليون نازح، مستغلةً يوميات الحرب وتعقيدات الماضي والحاضر، عبر سيل من المنشورات التحريضية الغرائزية، وتشكيل غيوم من المعلومات غير الدقيقة للتأثير بالنازحين والمتحدات المضيفة على حدٍّ سواء.
ولعلّ شراسة هذه الوسائل ومَن خَلفها مِن القوى السياسية نابعة من عقلية تصفية الحسابات، وشعورها بأن المعركة قد تُحسم قريباً، وأن إسرائيل ستدخل إلى لبنان وتقضي على حزب الله خلال مدة زمنية قصيرة. وما يزيد من تصميم أجهزة التحريض، هو أن الشريحة الكبرى من اللبنانيين، رغم كل الانقسام السياسي والطائفي والظروف المادية الخانقة والمخاطر الأمنية، عبّرت خلال المرحلة الماضية عن مناعة مقبولة، وأحسنت غالبيتهم استضافة النازحين وحمايتهم.
هذا المشهد لا بدّ أزعج الإسرائيليين وبعض اللبنانيين المزايدين عليهم لحسابات خاصة، فانتقل العدو الإسرائيلي إلى سياسة أمنية إعلامية ممنهجة «لتدفيع الثمن» لجميع اللبنانيين عبر توسيع رقعة استهداف المناطق المختلفة، حتى لو من أجل «أهداف» غير ذات أهمية أمنية أو عسكرية، لمنخ ماكينات التحريض مواد دسمة للاستثمار في الدماء، وشنّ حرب نفسية واسعة عبر سياسة الإخلاءات المحددة والاتصالات العشوائية المبرمجة، أو عبر الاتصالات المباشرة بالمواطنين والفاعليات وتوجيه الأوامر إليهم كما هي الحال في بعض قرى الجنوب.
بعض حملات التحريض الإعلامية، بدأت تتحوّل إلى إجراءات على الأرض، تظهر على شكل تضييق على النازحين من قبل مجموعات محلية مسلّحة في بعض مناطق الساحل وجبل لبنان، تقوم الأجهزة الأمنية بالتعامل معها بتفاوت، وهي لا تزال تحت السيطرة، حتى الآن.
هذه المخاوف، كانت محور اللقاءات التي جمعت الرئيس نبيه بري والنائب السابق وليد جنبلاط بالرئيس عون في بعبدا، وهو ما عبّر عنه جنبلاط بشكل واضح في تصريحه بأن «الأولوية هي للأمن الداخلي». إذ إن جنبلاط يقرأ بأن الحرب ستطول وأن أزمة النزوح ستتوسّع، وبالتالي ستزداد الضغوط الداخلية على كل المناطق، لا سيّما في الجبل، حيث يستشعر الزعيم الدرزي محاولات إسرائيلية لتحريك الوضع الأمني من بوابة النزوح.
يستشعر جنبلاط محاولات إسرائيلية لتحريك الوضع الأمني من بوابة النزوح
وبينما خفتت الأصوات التي تهاجم الجيش وقيادته، أرخت التجاذبات السياسية والأمنية بثقلها على المؤسسة العسكرية، التي تقع على عاتقها المسؤولية والرهان، لضمان الدفاع عن وحدة الأرض بوجه حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة في الجنوب، والواقع الداخلي اللبناني.
ولعلّ أخطر ما فعلته الحكومة، هو الإيعاز إلى الجيش في جلستها قبل أسبوعين بالانسحاب من القرى الأمامية على عكس رغبة الجيش، وطلبت منه، في الوقت نفسه، تطبيق خطة حصر السلاح بالقوة وفي ذروة العدوان. فكيف يمكن للسلطة السياسية أن تجرّد الجيش من واحدة من مهامه الأساسية؟
بدل أن تستغل الفرصة وتُقدّم الجيش كبديل فعلي لسلاح المقاومة مدعوماً من كل اللبنانيين مهما كانت الأثمان، وتنزع حجّة حزب الله للتمسّك بسلاحه أمام تمسّك الدولة بسياسة العجز. وإلى جانب قرارات السلطة والمحرّضين على صدام مسلّح بين الجيش والمقاومة، ترك التلويح بانقسام الجيش آثاره السلبية أيضاً، وكذلك التلويح باستعداد حزب الله ومناصريه للاصطدام مع الدولة وأجهزتها على قاعدة سقوط المحظورات في حرب الوجود، وهو ما تلقّفه بعض عتاة التطرّف من اللبنانيين في الولايات المتحدة، لطرح نظريات بائسة من نوع «تطهير» الجيش من الضباط والعناصر «الشيعة» وتخلي الجيش عن مناطق الجنوب والبقاع والانسحاب إلى جبل لبنان.
ومّما لا شكّ فيه أن إسرائيل التي تتهيّب الدخول في معارك برية طويلة على الأراضي اللبنانية تضع كل تركيزها على إيران، وتفضّل استمرار النموذج الحالي للحرب مع توسّع بالقصف الجوي والعمليات العسكرية والأمنية المحدودة، وهذه السياسة نابعة من اقتناعها باستحالة القضاء كلياً على حزب الله حتى في معركة برية طويلة لا أحد مستعد لدفع تكلفتها المادية والسياسية والبشرية.
لكن الاقتتال الداخلي قد يكون هو الحل الإسرائيلي الأمثل للخروج من الحرب بشكلها الواسع، والاستمرار بتنفيذ عمليات محددة ومشاهدة اللبنانيين من الجو يقاتلون بعضهم بعضاً في الشوارع والزواريب بينما تسرق إسرائيل الأرض. وهو بالمناسبة ما تراهن عليه إسرائيل في إيران، معوّلة على اندلاع حرب أهلية على أسس إثنية ودينية في اليوم التالي بعد الحرب.
خبر اللبنانيون الحرب الأهلية وويلاتها، وكيف تحوّلت الحرب الطائفية خلال عامي 1975 و1976 أو «حرب السنتين» من اقتتال «مسيحي – مسلم» وفرز لخطوط التماس الطائفية، إلى حرب 13 سنة من اقتتال «مسيحي – مسيحي» تحت عنوان «الدفاع عن المسيحيين»، و«مسلم – مسلم» تحت عنوان «تحرير القدس»، مخلفةً آثاراً لا تمحى.
من لم يفقد ذاكرته من اللبنانيين بعد، يخشى اليوم قبل أي شيءٍ آخر على الجيش من بين المؤسسات الرسمية الأخرى. ففي تلك السنوات، شكّلت التشقّقات في المؤسسة العسكرية تحت وطأة الضغوط الداخلية والخارجية، بذور انقسام الجيش وفقدان دوره الوطني كانعكاس لسقوط المجتمع في مستنقع الاشتباك الأهلي، وتالياً تفكك البنية السياسية والاجتماعية وصولاً إلى استعار القتال الطائفي. وبالعكس، حين انقلبت الظروف وباتت وحدة لبنان مطلباً إقليمياً ودوليّاً، بدأ تفكيك خطوط الحرب الأهلية من توحيد الجيش ودمج ألويته وأفواجه المنقسمة على أسس طائفية، وإقرار الخدمة الإلزامية كوسيلة من وسائل توحيد اللبنانيين.