اخبار لبنان

ام تي في

سياسة

هل تنتفض الدولة لنفسها؟

هل تنتفض الدولة لنفسها؟

klyoum.com

سؤال يُطرح بقوة بعد التطورات الأخيرة، خصوصًا أن الدولة اللبنانية كانت قد أعلنت، على لسان رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والحكومة مجتمعةً وقائد الجيش، أن المرحلة الأولى من نزع السلاح جنوب الليطاني قد أُنجزت، وأن الانتقال إلى المرحلة الثانية شمال النهر قد بدأ، وأن الأمور تسير على ما يرام وتحت السيطرة. وقد أعطى هذا الإعلان انطباعًا واضحًا، داخليًا وخارجيًا، بأن الدولة بدأت تستعيد دورها، وأنها تنفذ قراراتها وتبسط سلطتها تدريجيًا، وشكّل ارتياحًا لدى اللبنانيين.

لكن ما حصل في 2 آذار شكّل صدمة معاكسة تمامًا، إذ إن إطلاق حزب الله صواريخه ردًا على اغتيال الخامنئي، أظهر أن ما صدر عن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والحكومة وقائد الجيش لم يكن مطابقًا للواقع. كما أظهر أن شيئًا لم يتبدّل، وأن ما يُسمّى المقاومة، أي الفصيل الإيراني في لبنان، ما زال على حاله، وأن السلاح لا يزال بيده، ولم يُفعل أي شيء فعليًا لنزعه، ولا لمنع هذا الفصيل من توريط لبنان مجددًا في حروبه.

وقد وجّه حزب الله من خلال صواريخه رسالة مزدوجة:

أولًا، إلى واشنطن وتل أبيب، بأن رهانكما على الدولة اللبنانية هو رهان فاشل وفي غير محلّه، وإذا كنتما تعتقدان أن هذه الدولة قادرة على نزع سلاحنا، فأنتما مخطئان تمامًا، وإذا أردتما أي تسوية، فعليكما التفاوض معنا على غرار ما كان يحصل قبل الطوفان، وليس مع دولة عاجزة.

والرسالة الثانية إلى الداخل اللبناني، بأن الدولة التي قيل إنها أنجزت وتقدّمت، ليست موجودة فعليًا على الأرض، والهدف تيئيس اللبنانيين والقول لهم إن سلاح الحزب باقٍ على صدورهم، وسيبقى يحدّد مصيرهم وقدرهم.

وبهذا المعنى، ظهرت الدولة أمام الخارج إما كمتواطئة، لأنها لم تفعل شيئًا، أو كعاجزة، لأنها غير قادرة على الفعل. وفي الحالتين، ضُربت صورتها ومصداقيتها، وكل ما يمت إلى دورها بصلة. لكن الرسالة التي أراد حزب الله إيصالها إلى واشنطن وتل أبيب، من أجل التسليم بدوره، لن تصل، بسبب أن خدمة البريد تعطّلت وتدمّرت. وما لم يستوعبه هذا الحزب بعد هو أن مرحلة ما قبل 7 تشرين طُويت إلى الأبد، فلا عودة إلى قواعد الاشتباك السابقة، ولا إلى ترك الأمور على ما هي عليه بين إسرائيل وهذه التنظيمات، والقرار باقتلاع هذه البنى من أساسها قد اتُّخذ، ولن تتوقف الحرب قبل تحقيق أهدافها.

أما لجهة الرسالة الثانية، فقد تعمّد حزب الله أيضًا ضرب صورة الدولة أمام اللبنانيين أنفسهم، من أجل مزيد من تيئيسهم وإحباطهم. فاللبنانيون صدّقوا دولتهم، وصدّقوا أن البلد دخل في مرحلة جديدة، وصدّقوا أنها أنجزت المرحلة الأولى، وأنها تتمدّد، وأنها تنفذ قرارات مجلس الوزراء. فإذا بهم يكتشفون أنها دولة بالكلام لا بالفعل.

وأمام هذا الواقع المهين والمقصود، لا يمكن للدولة أن تبقى صامتة، وعليها القيام بخطوتين ضروريتين:

الخطوة الأولى، أن تعقد مؤتمرًا صحافيًا واضحًا ومفصّلًا، تضع فيه كل الحقائق أمام الرأي العام المحلي والدولي: ماذا أنجزت في المرحلة الأولى؟ وما هي المناطق التي دخلتها؟ وما هو السلاح الذي صودر؟ وما هي الكميات التي تمّت مصادرتها؟ وأين نجحت وأين تعثرت؟ وأن تقدّم مقاربة مقنعة لما ظهر بعد 2 آذار، بأن هناك مناطق، كالأودية مثلًا، لم تتمكن من الدخول إليها، لكنها سيطرت على مناطق أخرى، ونفذت خطوات فعلية، وأن المسلحين قد يكونون استفادوا من عدم تمشيط الوديان (…). فما الذي يحول، مثلًا، دون أن يشرح قائد الجيش للبنانيين ماذا فعل في المرحلة الأولى، وأن يعطي تفسيره للخلل الذي ظهر؟

أما الخطوة الثانية، فعلى الدولة أن تقول إن ما حصل هو محاولة متعمّدة لتشويه صورتها وإظهارها كدولة شكلية وثانوية، بهدف إبقاء القرار خارجها، وأن تضع معادلة واضحة وسريعة: إما تسليم السلاح، أو نزع هذا السلاح بالقوة. وكل ما يُقال عن عدم إمكانية نزع السلاح بالقوة بسبب الظروف أو الضربات الإسرائيلية هو كلام غير صحيح، لأن عدم القيام بذلك يعني شيئًا واحدًا: استمرار الحرب، بل توسّعها، وتوسّع رقعة الموت والدمار، فضلًا عن أن الفصيل الإيراني لن يخرج من الحرب حيًا، ولا مصلحة للبنان واللبنانيين في الانتحار معه.

ويبقى أن ما حصل في 2 آذار وما بعده كان استهدافًا مباشرًا للدولة، دورًا وصورةً وهيبةً وحضورًا. ولا خيار أمامها سوى أن تنتفض لنفسها، بهدف أن تستعيد صدقيتها وكرامتها وثقة العالم وشعبها بها، وأن تُثبت أنها دولة بالفعل لا بالحكي، وأنها لن تسمح لـ حزب الله بأن يقضي، بحربه، على آمال الناس الذين تأمّلوا خيرًا بخطاب القسم والمرحلة الجديدة التي دخلها البلد.

*المصدر: ام تي في | mtv.com.lb
اخبار لبنان على مدار الساعة