عن «هويتنا» العالقة بين السردية الدينية وعقيدة العداء لاسرائيل..
klyoum.com
أخر اخبار لبنان:
فوائد المغنيسيوم على جودة النومنشأتُ في مجتمع شديد التحزب والاستقطاب، حيث كان السؤال الأكثر تداولًا عند التعارف: “أنت مع الحزب أم الحركة؟”، وكان ذلك في بعض الأحيان بأهمية معرفة الاسم أو مكان السكن.
لم يكن هناك مجال سوى لاختيار أحدهما، وبحكم أن عائلتي المؤيدة لحركة أمل، كان من الطبيعي أن أتبعها أيضًا. وهكذا أصبحت الحركة جزءًا أساسيًا من هويتي، أخوض معاركي الكلامية دفاعًا عنها ضد أتباع حزب الله.
في مدرستي، التي كانت ذات توجه ديني مؤيد لحزب الله، تحولت هذه المعارك إلى مشاحنات طفولية لم تتجاوز التراشق اللفظي والسخرية المتبادلة. كنتُ أختار أصدقائي بناءً على انتمائهم الحزبي، وكوّنّا “أحلافًا” للدفاع عن بعضنا البعض.
ما كان يُحرك هذه المناوشات هو العصبية البدائية والتعلق العاطفي اللاعقلاني بجماعة معينة، كما لو كنا نتشاجر حول تشجيع فرق كرة قدم. ولكن، ما الذي كنا نزايد به على بعضنا البعض؟
كانت النقطة الأولى تتعلق بمن ضحّى أكثر من أجل الجنوب، ومن قام بعمليات أكثر ضد “العدو الصهيوني". أما النقطة الثانية للمزايدة، فكانت تتمحور حول الدين، حيث كان أنصار الحزب يجاهرون بتدينهم ويتمسكون بتعاليم الدين، ويعيبون على حركة أمل انفتاحها الظاهري.
جذور الكراهية في مجتمعنا تنبع من الفكر الديني الغيبي، وما رافقه من أدبيات معادية للغرب وإسرائيل على أسس جوهرية عقائدية لا تتبدّل
أما في القرية، فكانت هذه التشنجات تأخذ طابعًا أوسع، يبدأ من تعليق اليافطات والصور، مرورًا بالمنافسة في تنظيم المسيرات والأنشطة الكشفية، وصولًا إلى المشاجرات خلال الانتخابات البلدية (قبل توحيد اللوائح).
بالمحصلة، يمكن تلخيص المزايدة التي كنا نخوضها في أمرين: من هو أكثر تمسكًا بالدين الإسلامي الشيعي، ومن هو أكثر عداءً لإسرائيل.
رحلة في الفكر والسرديات
المفارقة الكبرى أنني، وبعد رحلة فكرية عميقة وخروجي من الأطر الثقافية التعبويّة التي رُسمت لي، أدركت أن هذين الموضوعين – الدين وإسرائيل – هما أكثر القضايا حساسية في لبنان، تمامًا كما كانا محور المزايدات بيني وبين زملائي في المدرسة.
لا يمكن إنكار أن الفكر الديني لا يزال يهيمن على مجتمعنا. فهل هذه مشكلة بحد ذاتها؟ لا أعتقد، لأن في مجتمعات العالم الثالث، حيث تحكم العصبيات، هناك فرصة كبيرة لأن يكون الأمر كذلك.
تكمن مشكلة الفكر الديني في التلقين؛ فنحن نتلقى مفاهيم وسرديات غير قابلة للنقاش أو الشك، ويُفرض علينا الإيمان بها، وإلا فمصيرنا هو النار في الآخرة. هذا الأسلوب يقلل من القدرة على التفكير النقدي، إذ يُمنع الإنسان من مساءلة الأسس التي نشأ عليها. برأيي، لا يبدأ الإنسان بالتحرر الفكري، إلا عندما يعيد النظر في هذه الأسس التي تحدد رؤيته المعرفية والأخلاقية لذاته وللعالم من حوله.
والأمر يصبح أكثر تعقيدًا عندما يكون الدين متغلغلًا في دول لم ترقَ إلى مستوى العلمانية والتعددية والحداثة. ففي لبنان، أدى الاحتكاك بالحداثة الغربية إلى نشوء هويات طائفية متجذرة، أضفت معنى أوسع للحياة وربطت كل طائفة بقصة مؤسِّسة وبأبطال “ضحّوا” من أجلها، مثل طانيوس شاهين عند الموارنة، وأدهم خنجر عند الشيعة.
هذه الهوية الطائفية ساهمت في تكريس الفوارق الثقافية والاقتصادية بين المسيحيين والمسلمين، وجعلت الانقسام بين اللبنانيين أعمق من أي رابط مشترك. ثم تمّ تبني هذه السرديات من قبل أحزاب ساهمت في تحريك شعور الكراهية للآخر مما ساهم في اندلاع الحرب الأهلية.
أعتقد أنه لا يمكن للبناني أن ينفتح على سردية الآخر ما لم يُعد النظر في سرديته الخاصة. ولتحقيق ذلك، لا بد من طرح الأسئلة الجوهرية عن هذه السرديات ومناقشتها بشكل عقلاني. ومن هنا، أرى أنه حان الوقت لمناقشة الدين نفسه، كونه العنصر الأولي للهوية الطائفية، مع التركيز على النصوص الموروثة التي تحرض على العنف وتعزز الفكر الإقصائي.
بعد رحلة فكرية عميقة وخروجي من الأطر الثقافية التعبويّة التي رُسمت لي، أدركت أن هذين الموضوعين – الدين وإسرائيل – هما أكثر القضايا حساسية في لبنان
بمعنى آخر، يجب الدفع نحو فصل الدولة عن الدين عبر إزالة القداسة عن التجربة السياسية للأنبياء والأئمة والخلفاء ووضعها في سياقها التاريخي، هذا الأمر بالتالي يمكنّنا من مناقشة عدم صلاحيتها كمرجعية سياسية للدولة في العصر الحديث، ومن أبرز السير التي علينا مراجعتها على سبيل المثال، هي قصة الحسين ومعركة كربلاء التي تشكل نواة الفلسفة السياسية والأخلاقية لدى الشيعية السياسية المعاصرة، ورأينا تجلياتها في الحرب الأخيرة.
إسرائيل: العدو الذي صُنع في وعينا
الموضوع الثاني الذي يُعد الحديث عنه “محرّمًا” هو إسرائيل. منذ الطفولة، تم تلقيننا كراهيتها، حتى بات كل ما يتعلق بها واليهود مثيرًا للخوف والريبة.
أتذكر أول مرة رأيت فيها العلم الإسرائيلي، عندما كنت على الضفة الشرقية لنهر الأردن، حيث تعمّد المسيح. فجأةً، اجتاحتني مشاعر الرعب التي زُرِعت بداخلي منذ الصغر. هذا الشعور النابع من الخوف يتشاركه غالبية اللبنانيين وبأشكال مختلفة وتنسحب على تصرفاتهم وسلوكياتهم على مستوى فردي وجماعي. كمثل الهجوم على موكب لسوريين مؤيدين للنظام خلال انتخابات الرئاسة منذ سنوات أو قيام شباب متحمسة بالذهاب الى الحدود لقتال اسرائيل بقرار فردي في الحرب الأخيرة.
لكن في نهاية المطاف، الصراع مع إسرائيل كان خيارًا سياسيًا صنع أجيالًا، لا ترى في الإسرائيليين بشرًا يخافون على حياتهم، بل مجرد “آلة حربية” تسعى إلى قتلنا. وأن الاعتراف بإسرائيل كدولة أمر غير وارد، تمامًا كما قال الإمام موسى الصدر حين وصفها بأنها “تجسيد الشر المطلق."
باختصار، أرى أن جذور الكراهية في مجتمعنا تنبع من الفكر الديني الغيبي، وما رافقه من أدبيات معادية للغرب وإسرائيل على أسس جوهرية عقائدية لا تتبدّل، المشكلة أننا ننظر إلى الحياة إما من خلال منظور طائفي أو حزبي، أو من خلال رؤية مؤدلجة تمنحنا معنى زائفًا لحياتنا، مما يُلغي إمكانية تعددية صحية للآراء السياسية والفكرية.
اقرأ أيضا: المنطقة بين حكم الجامعة والثكنة والمسجد!
لذلك، فإن الحل يكمن في اعتماد مقاربة نقدية، تكشف هذه الأطر الفكرية وتطرحها للنقاش في الفضاء العام، عبر الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي. وحده هذا النهج قد يفتح أفقًا جديدًا للخروج من واقعنا المأزوم، الذي يكرر نفسه بلا نهاية.