اخبار لبنان

لبنان الكبير

أقتصاد

شهر على حرب إيران…الاقتصاد العالمي يختبر "فوبيا الإمدادات"

شهر على حرب إيران…الاقتصاد العالمي يختبر "فوبيا الإمدادات"

klyoum.com

مع انتهاء الشهر الأول من المواجهة العسكرية في إيران، لم يقتصر تأثير الصراع على البعد السياسي فحسب، بل انتقل العالم إلى حالة من "فوبيا الإمدادات" الشاملة. فقد أحدثت الأزمة شروخًا عميقة في جدار الثقة بالأسواق الدولية، محوّلةً الصراع الإقليمي إلى صدمة هيكلية تتجاوز الحدود الجغرافية، لتطال السياسات النقدية، وتُعكّر التدفقات التجارية العالمية.

وفي ظل هذا المشهد المتقلب، يقف العالم على حافة اختبار قاسٍ، حيث تشير المؤشرات إلى أن ما يشهده ليس أزمة عابرة، بل اضطرابًا بنيويًا يهدد بتقويض أسس التجارة الدولية ويفتح الباب أمام موجات من التقلبات الاقتصادية التي قد تعيد تشكيل خريطة الأسواق العالمية.

نمو متآكل وتضخم جامح

يحذّر اقتصاديون من أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يدفع أسعار النفط إلى تجاوز 170 دولارًا للبرميل، وهو مستوى كفيل بتعميق الركود العالمي. وقد نبهت منظمة التجارة العالمية إلى أن النظام التجاري الدولي يواجه "أسوأ اضطرابات منذ ثمانين عامًا"، فيما أشار تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن تصاعد التوترات أدى إلى انحراف الاقتصاد العالمي عن مسار نموه القوي، مع مخاطر توقف شبه كامل لتدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز، وما يحمله ذلك من ضغوط تضخمية حادة.

قبل اندلاع الحرب، كانت التوقعات تشير إلى مسار نمو أكثر قوة. إلا أن التقديرات المحدثة تُظهر تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 3.3 في المئة في عام 2025 إلى 2.9 في المئة في 2026، قبل أن يتعافى تدريجيًا إلى 3 في المئة في 2027، مدعومًا باستثمارات قوية في قطاع التكنولوجيا، وتراجع فعلي في الرسوم الجمركية، واستمرار الزخم الاقتصادي الممتد من العام السابق، رغم الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة وطبيعة الصراع غير المتوقعة.

النفط… اضطراب حاد في الإمدادات

هددت إيران بدفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية تصل إلى 200 دولار للبرميل، عبر استهداف شحنات النفط والممر البحري الحيوي الممتد بين سواحلها الجنوبية وسلطنة عمان، بالإضافة إلى استهداف منشآت التكرير وخطوط الأنابيب المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط. وقد شهدت الأسواق تصاعدًا حادًا في الأسعار، ففي 27 شباط، أي قبل يوم واحد من اندلاع المواجهة العسكرية، كانت عقود خام برنت المستقبلية مسجلة عند 72.48 دولارًا للبرميل، لتقفز بحلول 27 آذار إلى 110.66 دولارًا للبرميل، مسجلة ارتفاعًا تاريخيًا يعكس شدة التوترات الجيوسياسية وتأثيرها المباشر على أسواق الطاقة العالمية.

وبحسب وكالة الطاقة الدولية، تراجعت تدفقات النفط عبر مضيق هرمز من نحو 20 مليون برميل يوميًا قبل الحرب إلى مستويات متدنية للغاية، فيما خُفّض إنتاج النفط في دول الخليج بما لا يقل عن 10 ملايين برميل يوميًا. كما انخفضت الإمدادات العالمية خلال آذار بنحو 8 ملايين برميل يوميًا، مع توقعات بزيادة محدودة في 2026 لا تتجاوز 1.1 مليون برميل يوميًا من منتجين خارج تحالف "أوبك+".

ويؤدي إغلاق مضيق هرمز الحيوي إلى إجبار المصافي الموجهة للتصدير على خفض طاقتها التشغيلية أو التوقف الكامل، لا سيما مع امتلاء مرافق التخزين، حيث تُقدّر طاقة التكرير المهددة بأكثر من 4 ملايين برميل يوميًا. وفي خطوة استباقية للتخفيف من آثار اضطرابات الإمدادات، اتفقت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية في 11 آذار على ضخ 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية، سعياً لاحتواء الصدمات في الأسواق النفطية وامتصاص الضغوط التصاعدية على الأسعار.

الذهب… ملاذ آمن تحت ضغط الدولار

في 27 شباط، وصل الذهب إلى 5230.56 دولارًا للأونصة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ 30 كانون الأول ومحققًا مكاسب شهرية بلغت 7.6 في المئة، في مسار صعود متواصل للشهر السابع على التوالي، بدعم من تصاعد التوترات الجيوسياسية وتمديد المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران. غير أن المعدن النفيس واجه لاحقًا ضغوطًا قوية مع اندلاع الحرب، فتراجع بنحو 16 في المئة متأثرًا بصعود الدولار الذي حقق مكاسب تزيد على 2 في المئة خلال الفترة نفسها. وفي أحدث التداولات يوم الجمعة، سجل الذهب 4466.38 دولارًا للأونصة، مع استمرار الطلب على الملاذات الآمنة في ظل تصاعد المخاطر العالمية، مما يعكس تقلب الأسعار بين موجات الصعود والهبوط بفعل العوامل السياسية والاقتصادية الدولية.

"التشدد الحذر" في مواجهة المجهول

تبنت كبرى البنوك المركزية العالمية نهج "التشدد الحذر" في ظل الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة. فبينما استعادت هذه المؤسسات نبرة أكثر صرامة في مواجهة التضخم، أقرت بأن التعقيدات الجيوسياسية وتداعياتها على الاقتصاد الكلي تفرض اعتماد سياسة "الترقب الاستراتيجي" قبل اتخاذ أي قرارات نقدية حاسمة.

وفي هذا السياق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المئة –3.75 في المئة، مع توقعات بارتفاع التضخم واستقرار معدلات البطالة، والإشارة إلى خفض محتمل واحد فقط هذا العام. كما قرر البنك المركزي الأوروبي تثبيت أسعار الفائدة الرئيسية، مؤكدًا التزامه بإعادة التضخم إلى هدف 2 في المئة على المدى المتوسط. وعلى النهج ذاته، أبقى بنك إنجلترا سعر الفائدة عند 3.75 في المئة، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة والإجماع داخل لجنة السياسة النقدية على تثبيت تكاليف الاقتراض.

تراجع الثقة وتآكل الاستثمار

كشفت البيانات عن تأثر ملموس في نشاط الأعمال عالميًا نتيجة الحرب وارتفاع تكاليف الطاقة. ففي منطقة اليورو، اقترب القطاع الخاص من حالة ركود خلال آذار، مع تراجع مؤشر مديري المشتريات إلى 50.5 نقطة، وهو أدنى مستوى في عشرة أشهر، مقارنة بـ 51.9 في شبط.

وفي الولايات المتحدة، انخفضت معنويات الأعمال إلى 51.4 نقطة، وهو أدنى مستوى في 11 شهرًا، وسط تباطؤ الطلبات الجديدة وارتفاع التكاليف. أما في بريطانيا، فقد سجّل المصنعون أكبر زيادة في تكاليف المدخلات منذ تشرين الأول 2022. وفي اليابان، تباطأ نشاط القطاع الخاص إلى 52.5 نقطة مقارنة بـ 53.9، رغم بقاء الاقتصاد في منطقة التوسع.

لبنان في واجهة التداعيات

حذّرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا "إسكوا" من تداعيات اقتصادية حادة على المنطقة العربية نتيجة الحرب. وقدّرت خسائر المنطقة بنحو 63 مليار دولار خلال أسبوعين فقط، أي ما يعادل 1.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وتوقّع التقرير أن ترتفع هذه الخسائر إلى نحو 150 مليار دولار في حال استمرار الحرب لشهر كامل، ما يعادل 3.7 في المئة من الناتج المحلي للمنطقة. وتعد دول مجلس التعاون الخليجي الأكثر تضررًا، فيما تواجه الدول المستوردة للطاقة ضغوطًا تضخمية ومالية متزايدة.

كما تراجعت حركة الشحن عبر مضيق هرمز بنسبة 97 في المئة، ما تسبب بخسائر يومية تُقدّر بنحو 2.4 مليار دولار، وخسائر تراكمية قاربت 30 مليار دولار خلال أسبوعين، في حين أدّى إلغاء نحو 19 ألف رحلة جوية في تسعة مطارات إقليمية إلى خسائر تُقدّر بنحو 1.9 مليار دولار لشركات الطيران.

وتقدّر "أوكسفورد إيكونوميكس" أن عدد الزوار إلى الشرق الأوسط قد ينخفض بنسبة تتراوح بين 11 في المئة و27 في المئة خلال عام 2026، مقارنة بتوقعات نمو سابقة بلغت 13 في المئة، حتى في حال انتهاء الحرب سريعًا.

وأشار التقرير إلى أن لبنان يواجه تداعيات مباشرة وخطيرة، في ظل تصاعد وتيرة العنف والغارات، وما نتج عنها من أضرار واسعة في البنية التحتية والخدمات الأساسية. ومع بلوغ أسعار النفط مستوى 100 دولار للبرميل، تُقدّر الكلفة الإضافية السنوية لواردات النفط بنحو 6.8 مليار دولار لكل من مصر ولبنان وتونس، مقارنة بالافتراضات الواردة في موازنات 2026. وتمثل هذه الصدمة نحو 5 في المئة من الإنفاق الحكومي في مصر وتونس، وترتفع إلى نحو 18 في المئة في لبنان، ما يعكس حجم العبء المالي على الاقتصادات ذات الهوامش المالية المحدودة.

سباق مع الزمن

يجد العالم نفسه اليوم في سباق محموم مع الزمن، فكل يوم إضافي تطرحه الحرب في أجندة الصراع يسحب جزءًا حيويًا من حصة النمو ويدفع بسلاسل الإمداد نحو نقطة حرجة من الانهيار، فهل ينجح الاقتصاد العالمي في احتواء "فوبيا الإمدادات" قبل فوات الأوان؟

*المصدر: لبنان الكبير | grandlb.com
اخبار لبنان على مدار الساعة