رسالة إلى الأمّ قبل الغصّة
klyoum.com
أخر اخبار لبنان:
بالفيديو: اشتباكات جنوبا بين الحزب والجيش الإسرائيليبقلم الدكتور جورج شبلي:
عندما وَلّى زَمَنُ العجائب، إستَثنى الأمّ. فهيَ، وإنْ غابَت، موجودةٌ فينا من دونِ أن نَتَكَلَّفَ عَناءَ دَعوَتِها. والمُلفِتُ، أنَّ رائحَتَها تتسلَّلُ الى قلوبنا، وَلَو بالذِّكرى، فيَنتقِلُ إلى نَبضِنا الفرحُ بالعَدوى.
الأمُّ هي مَوسمُ خيرٍ متواصِل، بها تُنسَفُ روزنامةُ الألمِ لأنها ترسمُ لنا خارطةً في وجدانِها، وتُعطينا ميثاقَ العمر، لنبقى في كيانِها دوماً في دائرةِ الضَّوء. وهي التي ننتقلُ معها من أَفرادٍ الى شريعة، فتَصوغُنا محبَّتُها آياتٍ نادِرةَ النَّكهَة.
الأمُّ هي التي تَتَنَفَّسُ عن رَيحان، وتَنطُقُ عن سِحر، وتَبسُمُ عن كِبَر، فكأَنَّ لها في عُنقِ السماءِ قِلادَة، لا يَنزَعُها منها إلاّ مَن استَقبَلَها في جَنَّاتِه.
مع الأمّ، ننتقلُ من حالِ المادِحِ الى حالِ العاشِق، طريقُنا إليها لا حارِسَ فيه، فكيفَ ننساها وهي لنا اتِّجاه. معها، إنَّ أَقَلَّ ما نقول: ما مِن جارِحَةٍ في جسمِنا إلاّ وَتَوَدُّ لو تَحَوَّلَت قُبلَةً في خَدَّيها.
الأمُّ حُبٌّ بِهِ نَحيا ولَهُ، تَتَحاسَدُ العواطفُ في التَّسابُقِ إليها. هي ذلكَ الأُفقُ النّورانيّ الذي أُوتِيَ نعمةَ التَّضحية، فوَقَّعَت معها المحبّةُ عَقداً أبديّاً، لِتُصبِحَ كالمَاسِ لا يُصنَعُ بل يُبحَثُ عنه.
أيتها الأمّ، يا رَنينَ القلوب، في حُبِّكِ أَبجديّةُ وجودِنا، فلكِ وحدَكِ يُصَفَّقُ بالأَفئِدَةِ لا بالأَكُفّ. أَنْ نُحِبَّكِ حالةُ نُبلٍ وأَولَويّةٌ مُطلَقَة، كالإيمانِ بالله. أَنْ نُحِبَّكِ نَقضي على القاتِلَين: الشَرِّ والباطِل. أَنْ نُحِبَّكِ يَجمعُنا شَملُ المَسَرَّةِ ونُرفَدُ بِعظيمِ النِّعمة.
مَن غَيرُكِ يستمعُ الى تَنَفُّسِ التّراب؟ مَن غَيرُكِ يُشارِكُ الليلَ في نَسجِ الصَّباحات؟ مَن غيرُكِ يَتَعَفَّفُ عنِ الكَدَر، ويَتوقُ الى الخِدمةِ كالسَّهم؟ أيتها الأمّ، وأنتِ البسيطةُ كالطُّهر، والرّوحُ المُترَفَةُ التي تَأنسُ إليها السماء، أَوَلَستِ حِجَّةً دامِغَةً على أنّ الإنسانَ مَرسومٌ من الله ؟
أيتُها الحبيبة، إنَّ أَدنى نعمةٍ منكِ تَستَوجبُ جميعَ الشُّكر. فلولاكِ، لَكانَتْ شمسُ الأرضِ تَطلَعُ كلَّ يومٍ سوداء.