"النمرة البيضاء" تسرق الطريق من التاكسي الشرعي
klyoum.com
وسط بيروت، حيث تلتقي شوارع العاصمة الكبرى، رفع سائقو سيارات الأجرة اليوم صرختهم الاجتماعية المطالبة بحقوقهم، بعد أن باتت مهنتهم مهدَّدة بشكل متزايد بفعل التعدّيات المتكرّرة على عملهم. السائق القانوني، الذي يلتزم بالضرائب والتراخيص والتكاليف المهنية المتعدّدة، يجد نفسه في مواجهة منافسة غير عادلة من سيارات خاصة تعمل في النقل العام من دون أي إطار قانوني، ما يقلّص من دخله ويهدّد استقرار عمله.
المشكلة تفاقمت بشكل لافت مع انتشار ما يُعرف بـ«النمرة البيضاء»، وهي سيارات خاصة تقدّم خدمات النقل بشكل واسع ومنظّم، عبر مكاتب وشبكات تتولّى تنظيم الرحلات والتوصيلات في مختلف مناطق بيروت. هذه الظاهرة لم تعد محصورة في أحياء فرعية أو مناطق محدودة، بل امتدّت إلى الشوارع الرئيسية للعاصمة، ما وضع السائق القانوني في موقع ضعيف أمام منافسة غير شرعية لا تخضع لأي رقابة أو قوانين.
ردًّا على هذا الواقع، نظّم عدد من سائقي سيارات الأجرة وقفة احتجاجية يوم امس في محيط جامع محمد الأمين وسط بيروت، طالبوا خلالها الدولة بتطبيق القوانين وحماية حقوقهم. وقد أدّى التجمّع إلى قطع عدد من الطرقات، ما تسبّب بازدحام مروري شديد وخلق شللاً جزئيًا في حركة السير. ودعا السائقون المواطنين إلى تجنّب وسط العاصمة خلال ساعات التجمّع، والاعتماد على طرق بديلة لتفادي التأخير.
خلال الوقفة، لم تغب المنافسة غير القانونية عن المشهد، إذ شوهدت سيارات تحمل «النمرة البيضاء» تقلّ ركّابًا وسط التجمّع، ما أثار حفيظة السائقين المحتجّين الذين تصرّفوا على الفور، واضطرّت القوى الأمنية إلى التدخّل وإصدار المخالفات بحق المخالفين، في مشهد يوضّح حجم المشكلة وتعقيدها.
ويؤكّد السائقون أن الوضع وصل إلى مرحلة حرجة، وأن استمرار هذه المخالفات من دون تطبيق صارم للقوانين يهدّد مستقبل مهنتهم، ويضع المجتمع أمام تحدّيات أكبر في ضبط حركة النقل وتنظيمها.
وفي حديث لأحد السائقين، قال بصوت حارق: «أحدهم يقتل حقوقنا على الطرقات يومًا بعد يوم. كنّا نعمل قليلاً قبل، أمّا الآن فلا نجد عملاً، واقفون بلا حركة. المنافسة أصبحت فوضوية وغير عادلة، خصوصًا سيارات النمرة البيضاء، التي تعمل بحرية في كل أنحاء بيروت، ولا تدفع ضرائب ولا ضمانًا، بينما نحن ندفع كل شيء، وأحيانًا مبالغ تصل إلى مليون ليرة عن كل سيارة.
لا أحد يمنع هذه التجاوزات، حتى الوساطات والمحسوبيات تغطّي على المخالفين، فنحن ندفع ونلتزم بالقوانين، وهم يعملون من دون أي رقابة. نحن نطالب بحقّنا الكبير، بحقّ كل ما دفعناه من رسوم وضرائب لنمارس مهنتنا بكرامة.
ورغم كل شيء، نحن قادرون على أن نجعل مهنة السائق القانوني من المهن المقبولة ماديًا في مجتمعنا، إذا توقّفت التعدّيات وتمّ السماح لنا بالعمل وفق القوانين، تمامًا كما تعمل باقي المهن. الدولة يجب أن تصل إلى صوتنا قبل أن يبتلعنا هذا الواقع ويهدر كل جهدنا».
طليس: نطالب فقط بتطبيق القانون
أكّد رئيس اتحادات ونقابات قطاع النقل البري، بسام طليس، أن التحرّك الاحتجاجي الذي نفّذه السائقون أمس في بيروت جاء نتيجة التعدّيات المتراكمة على قطاع يُعدّ من الركائز الأساسية في المجتمع اللبناني، مشدّدًا على أن مطلبهم الوحيد هو تطبيق القانون وحماية النقل البري من الفوضى والمخالفات.
وأوضح طليس، في حديث لموقع «لبنان الكبير»، أن التحرّك لم يكن منظّمًا مركزيًا من قبل الاتحاد، بل جاء بمبادرة من سائقين في مناطق بيروت الشرقية، عبّروا عن غضبهم وطلبوا منه مواكبة التحرّك ومراقبته، لافتًا إلى أنه حرص على عدم قطع الطرقات مراعاةً للناس والضغط النفسي والاقتصادي الذي يعيشه المواطنون.
وقال: «نحن ندرك معاناة الأهالي، ولا نريد زيادة الضغط عليهم. لذلك كان الهدف إيصال الصرخة من دون شلّ حياة الناس أو إغلاق الطرق أمامهم».
وكشف طليس عن اتصالات واجتماعات مرتقبة هذا الأسبوع مع وزيرَي الداخلية والنقل، آملاً التوصّل إلى نتائج ملموسة تُنهي حالة الفوضى في هذا القطاع، مضيفًا: «هناك وعود كثيرة، لكن المطلوب ترجمتها على أرض الواقع».
وفي ما يتعلّق بالشركات والمركبات التي تعمل من دون تراخيص قانونية، شدّد طليس على أن هذه الجهات تشكّل منافسة غير مشروعة للنقل العام، وتعمل بدعم من أطراف معروفة، ما يضرب السائقين الشرعيين ويقوّض هذا القطاع. وقال: «كل هذه المخالفات معروفة، وهناك من يغطّيها، وهذا أمر مرفوض».
وأكّد أن قطاع النقل البري لا يطالب بدعم مالي ولا بمساعدات من الدولة، لا في الحكومة السابقة ولا الحالية، بل يطالب فقط بتطبيق القوانين المرعية الإجراء، سواء في ما يتعلّق بالسيارات العمومية أو الشاحنات أو سائر مكوّنات النقل البري.
وختم طليس بالقول: «نريد قطاع نقل نظيفًا ومنظّمًا، يشعر فيه المواطن بالأمان حين يستقلّ سيارة أو حافلة، لكن للأسف ما يُقال على المنابر لا يُترجم حتى الآن بخطوات فعلية على الأرض».