لو كان الإمام الصدر حاضراً…
klyoum.com
كتب صلاح سلام في "اللواء":
تحلُّ ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر هذا العام، وللعام الثالث على التوالي، وأرض الجنوب تنزف بشراً وحجراً وشجراً. قرى مهدّمة، وأهل مشرّدون، وحقول محروقة، وذاكرة عمرانية وشعبية مهددة بالمحو، فيما العدو الإسرائيلي يستبيح الأرض والسماء والهواء، ويمارس اغتيالاً حضارياً منظماً لا يستهدف المواقع العسكرية وحدها، بل يضرب هوية الجنوب وتاريخه، وحق أبنائه في البقاء على أرضهم.
ليست ذكرى الإمام مناسبة لاستعادة الصور والخطب، أو للاكتفاء بترداد الشعارات التي أطلقها قبل نصف قرن. إنها لحظة مساءلة قاسية للواقع الراهن، ولمدى التزام القوى التي تتحدث باسمه بالمبادئ التي حملها: رفض الظلم والحرمان، تحقيق العدالة والمساواة بين اللبنانيين، تكريس الإنماء المتوازن، وتعزيز الانتماء الوطني وصيغة الشراكة الإسلامية–المسيحية.
لقد نقل الإمام قضية الجنوب من هامش الدولة إلى قلب الضمير الوطني. لم يتعامل معه بوصفه منطقة تخص طائفة بعينها، بل اعتبر محنته محنة لبنان كله. الجنوب، في رؤيته، ليس خط تماس ولا خزان مقاتلين، بل أرض لبنانية يجب أن تحظى بالأمن والتنمية والتعليم والرعاية، وأن يشعر أبناؤها بأن الدولة موجودة لحمايتهم، لا أنها تتذكرهم بعد وقوع الكارثة.
من هنا يطل السؤال الأكثر حساسية: هل كان الجنوب يُترك للنار ويتعرض لكل هذا الدمار، وهل كان أهله سيُدفعون إلى النزوح، وتُزال قرى من الوجود، ويُترك تراثه الثقافي والحضاري للاغتيال، لو كان الإمام موجوداً وصاحب القرار الأول في حمايته؟
لا يستطيع أحد أن يقدم جواباً يقينياً عن سؤال افتراضي بهذا الحجم. لكن سيرة الإمام ومواقفه تسمحان باستخلاص جواب سياسي وأخلاقي واضح: كان يمكن لإسرائيل أن تعتدي، لأن طبيعة مشروعها العدواني لا ترتبط بوجود هذا الزعيم أو غياب ذاك، وتبقى هي المسؤولة أولاً وأخيراً عن جرائمها. لكن من المستبعد أن يقبل الإمام بأن يتحول الجنوب إلى ساحة مستباحة، أو إلى ورقة تفاوض في صراعات إقليمية، أو أن يُحصر قرار الحرب والسلم في يد فئة واحدة، مهما كانت تضحياتها.
كان الإمام رجل مقاومة بلا تردد، وهو الذي أسس «أفواج المقاومة اللبنانية» لمواجهة الاحتلال، حين لم تكن الدولة قادرة على القيام بمسؤولياتها. لكنه لم يرَ في المقاومة سلطة دائمة موازية للدولة، ولا مشروعاً عابراً للحدود. فقد أراد مقاتليها «فدائيي حدود الأرض اللبنانية»، وحذّر من زجهم في المعارك الداخلية، أو تحميلهم وزر مواجهات خارجية، ودعا إلى التحاقهم بالمؤسسة العسكرية عندما تتحمل مسؤولياتها الوطنية. كما شدد في مواقفه الموثقة على أن وجود الجيش هو مفتاح الحل، وأن غياب السلطة والخدمات يُضعف ولاء المواطن للدولة.
وهنا يكمن الفارق الجوهري بين مقاومة تحمي الجنوب، وسياسة تجعل الجنوب يدفع أثمان حروب لا يقرر أهدافها ولا مواعيدها ولا نهاياتها. فالإمام، الذي رفض «الشر الإسرائيلي المطلق»، لم يكن ليقبل بأن تصبح أرواح الجنوبيين مجرد أرقام في حسابات النفوذ، أو أن يُطلب من الأهالي التعايش إلى ما لا نهاية مع النزوح والدمار وانتظار الحرب المقبلة.
الأرجح أنه كان سيخوض معركتين في وقت واحد: معركة شرسة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ومعركة لا تقل شراسة لإعادة قرار حماية الجنوب إلى الدولة اللبنانية. كان سيطالب بجيش قوي، واستراتيجية دفاعية وطنية، وتحصين القرى، وحماية المدنيين، واستنفار الدعم العربي والدولي، وربط الصمود بالتنمية وفرص العمل، لا بالاكتفاء بتشييد بيوت جديدة بعد كل حرب، وتعريضها اللهدم في الحرب التالية.
لم يكن الإمام يقايض أمن الجنوب بالاستسلام، لكنه لم يكن يقدّس الخسائر، أو يعتبر دمار القرى قدراً محتوماً. كان يُدرك أن الأرض لا تُحمى بالسلاح وحده، بل بأهل قادرين على البقاء فيها، ودولة ترعاهم، واقتصاد يثبّتهم، ووحدة وطنية تمنع عزلهم واستفرادهم.
لذلك، لا يكون الوفاء للإمام بتعليق صوره فوق أنقاض القرى، بل باستعادة مشروعه الحقيقي: جنوب لبناني قوي بالدولة، محمي بالجيش، مزدهر بالإنماء، ومحصّن بوحدة اللبنانيين.
ما لم يتحقق ذلك، سيبقى السؤال معلقاً فوق كل منزل مهدّم وكل عائلة مهجّرة: غُيّب الإمام قبل ثمانية وأربعين عاماً، ولكن مَن الذي غيّب رؤيته عن الجنوب، وزجّ هذه الأرض العزيزة من الوطن في آتون الحروب، وتحويلها إلى أرض محروقة؟