كيف تُرسَم الحدود بالنار بين إسرائيل و"الحزب"؟
klyoum.com
أخر اخبار لبنان:
وفد من النواب يزور سلام للاعتراض على فتح مركز إيواءكتب سعد الياس في "القدس العربي":
لم يكن عيد الفطر المبارك في لبنان سعيداً بقدر ما كان مغمساً بدماء الضحايا الأبرياء وبنزوح نحو مليون لبناني من الجنوب والضاحية والبقاع بغير حق من دون أي أفق للحل في المستقبل القريب. ولم يقترن عيد الفطر بتحقيق هدنة كما اقترح رئيس الجمهورية العماد جوزف عون تمهيداً للبدء بمفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل.
وبعد ثلاثة أسابيع على الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» التي اندلعت في 2 آذار الحالي، انتقل الطرفان المتحاربان إلى محاولة فرض وقائع ميدانية على الأرض قبل بدء أي مسار تفاوضي تلبية لمبادرة رئيس الجمهورية.
وتشير مجموعة من المؤشرات إلى أن الحرب انتقلت من مرحلة الضربات المحدودة إلى مرحلة التصعيد العملياتي الواسع. ومن أبرز هذه المؤشرات: إصدار المتحدث بإسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إنذارات بعمليات إخلاء واسعة جنوب نهر الزهراني، بعد أن أُخليت منطقة جنوب نهر الليطاني، وتكثيف أوامر الإخلاء كما الضربات الجوية على بيروت والضاحية الجنوبية والبقاع، وتعزيز الانتشار العسكري الإسرائيلي على جبهة الشمال، واستمرار إطلاق الصواريخ والمسيّرات من لبنان بوتيرة يومية نحو تل أبيب وحيفا والجليل.
وانتقل الجيش الإسرائيلي إلى مرحلة جديدة من الاعتداءات تتمثل بقصف الجسور فوق نهر الليطاني لقطع المعابر وإعاقة حركة الامدادات لـ «حزب الله» من شمال النهر إلى جنوبه، في وقت يجهد «الحزب» لتأخير التقدم البري للجيش الإسرائيلي على محور بلدة الخيام ورفض أي مسار يفضي إلى استسلامه أو إلى نزع سلاحه. وخرج أمينه العام الشيخ نعيم قاسم ليعلن «أن الميدان هو الذي يحسم المعركة، وأن المقاومة مستمرة في ميدان الشرف مهما بلغت التضحيات»، لافتاً إلى «أن الحل المتاح هو إيقاف العدوان والانسحاب من الأراضي المحتلة والإفراج عن الأسرى وعودة أهل القرى والمدن إلى بيوتهم مع بدء الإعمار، وبإمكاننا ذلك». وجدد قاسم العهد للجمهورية الاسلامية الايرانية بقوله «مستمرون معًا بولايتنا لقائدنا آية الله السيد مجتبى الخامنئي».
من هنا، بدأ «الحزب» الذي حظرت الحكومة أنشطته العسكرية والأمنية باعتماد نمط قتالي يسعى إلى منع إسرائيل من تحقيق حسم سريع أو فرض واقع ميداني جنوبًا، ورفع التكلفة العسكرية لأي عملية برية إسرائيلية وإظهار قدرته على الفعل والتأثير رغم الضربات الواسعة مستفيداً من امتلاكه صواريخ «كورنيت» ضد الدروع والتحصينات، إضافة إلى الطبيعة الجغرافية الجبلية والمتداخلة في الجنوب اللبناني، ومن العمق اللبناني الذي يمنحه هامش حركة أوسع من ذلك الذي واجهته حركة «حماس» في غزة، كما مستفيداً من مشاركة إيران في الحرب ومن سعيها إلى ربط لبنان بأي اتفاق جديد لوقف إطلاق النار لا يوحي بهزيمة كالاتفاق الذي حصل في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 والذي أعطى لإسرائيل حرية الحركة في لبنان كلما شعرت بتهديد.
مبادرة عون
إنطلاقاً من هنا، يتم تعامل «حزب الله» مع مبادرة رئيس الجمهورية التي أطلقها لوقف التصعيد العسكري الإسرائيلي خلال اجتماع افتراضي للاتحاد الأوروبي وبعد التشاور مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي أوفد وزير خارجيته جان نويل بارو للبحث في كيفية دعم المبادرة التي تلقى برودة إسرائيلية وأمريكية على الرغم من تكليف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر بترؤس الوفد التفاوضي مع لبنان.
ونقل الوزير بارو إلى الرئيس عون خلاصة التحرك الذي يقوم به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لوقف التصعيد العسكري في لبنان في ضوء استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والقتال على أراضيه، معرباً عن استعداد فرنسا للعمل من أجل وضع حد للتصعيد العسكري، من خلال اقتراحات يتم التداول بها مع الأطراف المعنية، انطلاقاً من المبادرة التفاوضية التي أعلنها الرئيس عون والتي وصفها الوزير الفرنسي بـ«الشجاعة» وتلقى دعم المجتمع الدولي، لأنها عبّرت عن إرادة ثابتة في قيام دولة قوية ترفض الانجرار إلى حرب لم تبدأها.
ومن المفيد التذكير بأن هذه المبادرة تتألف من أربع نقاط مترابطة: أولًا، إرساء هدنة كاملة ووقف الاعتداءات الإسرائيلية البرية والجوية والبحرية على لبنان؛ ثانيًا، تقديم دعم لوجستي عاجل للقوى المسلحة اللبنانية؛ ثالثًا، تولّي هذه القوى فورًا السيطرة على مناطق التوتر الأخيرة، ومصادرة السلاح الموجود فيها، بما في ذلك سلاح حزب الله ومخازنه ومستودعاته وفق المعلومات المتوافرة؛ رابعًا، أن يبدأ لبنان وإسرائيل، بالتزامن مع ذلك، مفاوضات مباشرة برعاية دولية، للتوصل إلى تنفيذ تفاصيل هذه البنود.
وإذا كانت المبادرة الرئاسية لقيت ترحيباً وتأييداً من العديد من القوى السياسية التي رأت فيها خطوة عملية لتثبيت قرارات الحكومة حول حصرية السلاح وحظر أنشطة الحزب العسكرية والأمنية، إلا أن رفض «حزب الله» أي مسار يُوحي بأنه مدخل لنزع سلاحه أو للاستسلام وضع عقبة أمام المبادرة خصوصاً أن لا رئيس الجمهورية ولا رئيس الحكومة نواف سلام يملكان القرار بنزع سلاح «الحزب» بعد تجربة جنوب نهر الليطاني التي أظهرت عدم تعاون الحزب مع الجيش اللبناني لتنظيف المنطقة من الأسلحة والصواريخ التزاماً باتفاق وقف الأعمال العدائية. وهذا ما جعل رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي شارك وزراؤه في الموافقة على قرار مجلس الوزراء بحظر أنشطة الحزب واعتبارها خارجة عن القانون يفرمل اندفاعته ويمتنع عن تسمية شخصية شيعية ضمن الوفد المفاوض، ودفع هذا الموقف بالرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط إلى العدول عن تسمية درزي ضمن الوفد المفاوض بعدما جرى إيراد إسم السفير اللبناني السابق في روسيا شوقي بو نصار. كل ذلك، بموازاة ضغط من «الحزب» وتلويح باستعادة انتفاضة 6 شباط/فبراير 1984 التي جاءت رداً على اتفاق 17 ايار/مايو الذي لم يبرمه الرئيس الأسبق أمين الجميل وبالعمل على تطيير حكومة نواف سلام.
حكومة «فيشي»
ولا يخفي كثيرون رغبة «حزب الله» في استدراج الأفرقاء المحليين إلى مواجهة داخلية تعويضاً عن خسائره في الجنوب. وكانت تهديدات نائب رئيس المجلس السياسي للحزب محمود قماطي واضحة من خلال قوله «إن المواجهة المباشرة مع هذه السلطة السياسية حتمية بعد انتهاء الحرب»، مشبهاً إياها بـ «حكومة فيشي» التي كما قال «كانت تعتقل المقاومين وتعدمهم إلى أن انتصرت المقاومة بقيادة ديغول وأعدمت الحكومة وحاكمتها»، متمنياً «ألا تضع الدولة نفسها في هذا الموقع». وشجب قماطي «اعتبار الحزب غير قانوني وما يتم من اعتقال لمقاومين واستدعاء إلى القضاء ومصادرة سلاح»، قائلاً «نصبر قليلاً ولكن إلى أمد لأن لدينا اولوياتنا».
وإذا كان رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أكد «أن حزب الله لن يجد من يشتبك معه إلا الجيش والقوى الأمنية»، فإن رئيس الحكومة نواف سلام انتقد «الهروب إلى الأمام ورمي الدولة بسهام التقصير في حق أهلها سعياً لحرف الأنظار عن خطيئة إقحام البلد في الحرب ونتائجها المدمرة»، رافضاً «الخطاب التخويني والتهديدي، لأنه محاولة لفرض الصمت على اللبنانيين حتى لا تطرح الاسئلة التي لا يريد أصحاب هذا الخطاب الإجابة عنها»، مستهجناً «التلويح بالعنف، والتهديد بالقتل والاعدامات، والتحريض على الفتنة والحرب الأهلية».
وليست المرة الأولى التي يهدد فيها «حزب الله» الداخل اللبناني بعد كل حرب، فهو بعد حرب تموز 2006 نفذ اجتياحاً لبيروت في 7 أيار وهدّد الجبل، ثم نفّذ حركة القمصان السود التي أدت إلى تأجيل الاستشارات النيابية في القصر الجمهوري والاتيان بالرئيس نجيب ميقاتي بدلاً من الرئيس سعد الحريري عام 2010، كذلك فإنه بعد تفجير مرفأ بيروت هدّد المحقق العدلي القاضي طارق البيطار بـ «القبع» ونظّم تظاهرة مسلحة على الطيونة.
وإذا كانت هذه الوقائع تؤشر إلى شيء فإلى زعزعة الصف الحكومي حيث بدأت قوى سياسية تطالب بإقالة وزيري «حزب الله» من الحكومة محمد حيدر وركان ناصر الدين وصولاً إلى إجراءات قضائية بحق قماطي للتأكيد أن لا عودة إلى الوراء وأنه لا يجوز بعد اليوم قلب الوقائع أو رمي المسؤولية على الدولة.
وفي هذا الإطار، تُطرَح علامات استفهام حول الموقف الحقيقي للرئيس بري الذي يستمر في صيامه تجاه ما أقدم عليه «حزب الله»، داعياً في عيد الفطر إلى «التماس الوحدة والتضامن والتماسك بين النازحين الصامدين والمضيفين لأنها سبيل الخلاص لحفظ لبنان». ولا شك أن دعوة الرئيس بري تعكس قلقه كما قلق كثيرين من تطور الاشكالات التي بدأت تحصل في بعض المناطق وخصوصاً في بيروت وعرمون بعد كل غارة تتعرض لها هذه المناطق وتحميل أبناء المنطقة النازحين باستجلاب الخطر إليهم. والخوف الأكبر هو أن تطول أزمة النزوح ولا تكون العودة مسهّلة إلى قرى الجنوب كما حصل عامي 2006 و2024 ما سيتسبب بتغيير ديموغرافي ولاسيما في المناطق المسيحية التي لا تريد أن تدفع ثمن مغامرات أي حزب، تماماً كما هو حال القرى المسيحية الحدودية التي يتمسك أهاليها بالبقاء في بيوتهم وعدم النزوح عنها والذين يرفضون استخدام قراهم منصة لإطلاق الصواريخ ويطالبون الجيش اللبناني بمنع دخول المسلحين إلى أراضيهم.
غير أن الجيش اللبناني الذي سبق أن انتشر في جنوب نهر الليطاني أعاد تموضعه في عدد من النقاط بما يتناسب مع الظروف المعقدة ولاسيما في المناطق التي شهدت تقدمًا للجيش الإسرائيلي أو باتت تحت ضغط ناري مباشر، وذلك تجنباً للانجرار إلى مواجهة مباشرة مع أي من طرفي الحرب.