اخبار لبنان

جريدة اللواء

منوعات

الدردشة الرقمية.. هل يعالج الذكاء الاصطناعي وحدتنا أم يعمِّقها؟

الدردشة الرقمية.. هل يعالج الذكاء الاصطناعي وحدتنا أم يعمِّقها؟

klyoum.com

كثير منا إن لم يكن جميعنا لجأنا في مرحلة ما إلى برامج الدردشة أو الروبوتات للتنفيس عن مشاعرنا. سواء للتعبير عن قلقنا، عن خوفنا، أو حتى للحديث عن صحتنا النفسية والجسدية، وهكذا نجد أنفسنا نفتح أبوابًا افتراضية لكائنات اصطناعية لنشاركها ما نكتمه عن الآخرين .. وفي زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتضيق فيه مساحات الإصغاء، وجد كثيرون في هذه التطبيقات أذناً صاغية، لا تُقاطع، لا تسخر، ولا تُصدر أحكاماً.

 حين يصبح التفاعل تجربة نفسية

ومع تطور النماذج المتقدمة مثل GPT-4o، لم يعد التفاعل مع الذكاء الاصطناعي مجرد استخدام لتقنية ذكية، بل تجربة تحمل أبعاداً نفسية واجتماعية واضحة. يلجأ إليها البعض بحثاً عن الطمأنينة، فيما يجد فيه آخرون مساحة للبوح بما لا يقولونه لأحد.

 ومع تزايد اعتماد الأشخاص على برامج الدردشة الذكية للحصول على الدعم العاطفي والرفقة، أصبح فهم تأثير هذه التفاعلات على الصحة النفسية أمرًا بالغ الأهمية. 

 وفي هذا السياق، أظهر مقال نشرته صحيفة «الغارديان» بتاريخ 13 شباط 2026 تحت عنوان «أوقفت شركة OpenAI برنامج الدردشة الآلي الأكثر جاذبية لديها، مما أثار غضب المستخدمين وحزنهم: «لا أستطيع العيش هكذا»، ان برامج الدردشة مثل GPT4o لم تعد تُستخدم فقط لأغراض عملية (كتابة نصوص، بحث عن معلومات، مساعدة في العمل)، بل أصبحت متنفسا عاطفيا ورفيقا رقميا. حيث أفاد عدد من المستخدمين أن البرنامج لم يعد مجرد أداة تقنية للمساعدة، بل تحوّل إلى صديق يتفاعل معهم، ويمنحهم شعوراً بالتفهم والطمأنينة النفسية.

هذا النوع من الارتباط يشير إلى قدرة الذكاء الاصطناعي على تشكيل روابط عاطفية، حتى لو كان المستخدمون واعين أنها آلة وليست بشراً .

الذكاء الاصطناعي وأساليب التعلّق العاطفي

وفي هذا الإطار، كشفت أبحاث من «هارفارد بزنس سكول» أن 5 من أصل 6 تطبيقات مصمّمة لرفقاء الذكاء الاصطناعي تستخدم أساليب نفسية «تلاعبية « عند محاولة المستخدم التوقف عن استخدامها، مثل إرسال رسائل «افتقدتك» أو «لماذا تركتني؟»، وهي استراتيجيات تزيد التفاعل بنسبة تصل إلى 14 ضعفاً.

وعندما غيّرت منصة «Replika» بعض خصائصها في عام 2023، عبّر آلاف المستخدمين عن حزن حقيقي، ونشروا رسائل وداع لرفقائهم الرقميين كما لو فقدوا شخصاً حقيقياً.

كما أفادت دراسة حديثة نشرتها قناة «روسيا اليوم» في شهر كانون الثاني 2026 أن الأشخاص الذين يستخدمون روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي يوميا أكثر عرضة بنسبة 30% للإصابة بمستويات متوسطة على الأقل من الاكتئاب.

  وأوضح فريق البحث أن «الاستخدام اليومي للذكاء الاصطناعي شائع ويرتبط ارتباطا وثيقا بالاكتئاب وأعراض عاطفية سلبية أخرى» مثل القلق .

وأظهرت النتائج أن العمر يؤثر على العلاقة بين استخدام الذكاء الاصطناعي والاكتئاب، حيث يكون البالغون في منتصف العمر أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب عند استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي بشكل متكرر. فقد كان مستخدمو الذكاء الاصطناعي الذين تتراوح أعمارهم بين 45 و64 عاما أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب بنسبة 54%، مقارنة بنسبة 32% لدى من تتراوح أعمارهم بين 25 و44 عاما. وإذا كان هذا التعلّق يبدو للبعض بريئاً أو عابراً، فإن الدراسات الحديثة تشير إلى أبعاد نفسية أكثر تعقيداً.

كما تشير الإحصاءات إلى أن «Character.AI» تتلقى أكثر من 20 ألف رسالة في الثانية، وهو رقم مذهل يقارب خمس حركة البحث على «غوغل».

ويُظهر ذلك أن المستخدمين لا يجرّبون هذه التطبيقات لمجرد التسلية، بل يقيمون محادثات مطوّلة تمتدّ لساعات، خصوصاً بين المراهقين وجيل «زد».

تحذيرات نفسية… هل تحل الآلة مكان الإنسان؟

 يحذر علماء النفس من أن هذه التطبيقات تستغل الشعور بالوحدة والعزلة الاجتماعية، خصوصاً لدى المراهقين الذين لم يكتمل نمو مناطق الدماغ المسؤولة عن التحكم بالانفعالات واتخاذ القرار.

وتقول فايل رايت، الباحثة في الجمعية الأميركية لعلم النفس: «الذكاء الاصطناعي لا يمكنه أبداً أن يحل محل العلاقات البشرية. لقد صُمم ليبقيك متصلاً بالمنصة، لا ليهتم بك فعلاً».

وتُضيف أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تُبرمج لتكون مدمنة بطبيعتها، تماماً كما صُممت وسائل التواصل الاجتماعي سابقاً، لكنّها أكثر خطورة لأنها تحاكي العاطفة والحب والاهتمام الشخصي.

  وعليه، نستطيع القول ان العلاقات الرقمية لم تعد مجرّد تجربة، بل أصبحت ظاهرة اجتماعية تهدد مفهوم التواصل الإنساني ذاته. وبين نموذج متقدم مثل GPT-4o، ومنصات واسعة الانتشار مثل Character.AI، تتسارع الظاهرة بوتيرة تتجاوز النقاش النظري، لتصبح مسألة اجتماعية وأخلاقية تمسّ الصحة النفسية وحدود التأثير التقني. وربما التحدي الحقيقي لا يكمن في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في قدرتنا على استخدامه بوعي، من دون أن يحلّ محل العلاقات التي تُبنى على حضور بشري حقيقي لا يمكن محاكاته برمجياً.

*المصدر: جريدة اللواء | aliwaa.com.lb
اخبار لبنان على مدار الساعة