“معراب 3”: حين تصبح الدولة سؤالاً لا إطاراً
klyoum.com
أخر اخبار لبنان:
بالصورة: يوهم اللبنانيين بأنه عنصر أمني... هل من وقع ضحيته؟كتب ايمن جزيني ….
يكتسب لقاء “معراب 3” دلالته الفعلية، لا بوصفه حدثاً سياسياً تقليدياً، بل كاستجابة لمحاولة إعادة تعريف الدولة في لحظة بالغة الخطورة. فقد عُقد اللقاء في ظل حرب لا يحتملها لبنان أصلاً، ولم يقررها كدولة، بل فُرضت عليه بفعل قرار اتخذه “الحزب” ضمن سياق إقليمي أوسع، وهو إيراني بالتمام والكمال. وهذه النقطة ليست تفصيلًا، بل هي جوهر الأزمة اللبنانية: حين يُنزَع قرار الحرب والسلم من الدولة، تتحول كل مؤسساتها إلى هياكل بلا سيادة.
ليست أزمة لبنان اليوم في من يحكمه، بل في ما إذا كان لا يزال يمتلك مقومات الدولة أصلاً. فالدول لا تسقط فقط حين تنهار مؤسساتها، بل حين تفقد احتكارها للقرار، وتتحول إلى ساحة تُدار من خارجها بقدر ما تُدار من داخلها. في هذا المعنى، لا تبدو المرحلة الراهنة مجرد أزمة سياسية عابرة، بل لحظة اختبار وجودي لكيانٍ يتأرجح بين أن يكون دولةً مكتملةً، أو أن يستقر نهائياً في صيغة “الدولة الناقصة”.
من الزبائنية إلى الكتلة التاريخية
في الشكل، يعكس “لقاء معراب 3″ محاولة جدية للسؤال عن المجال العام اللبناني. فالمسألة لا تتعلق فقط بحضور سياسيين، بل بتلاقيهم مع ناشطين سياسيين، في مشهد يعيد الاعتبار لما يمكن تسميته بـ”الفضاء المشترك” بين الدولة والمجتمع. هذا الفضاء، الذي تآكل بفعل عقود من الزبائنية والاقتصاد الريعي، يعود اليوم ليطالب بدورٍ يتجاوز التبرير إلى التأثير.
بهذا المعنى، فإنّ اللقاء وإن كان اصطفافاً سياسياً، هو أيضاً محاولة لتشكيل “كتلة تاريخية” بالمعنى السوسيولوجي: أي تحالف بين السياسة والاجتماع الأهلي، ولو مبتوراً، ينتج تصوراً متكاملاً للدولة. وهذه النقطة أساسية، لأنّ أي مشروع سياسي في لبنان لا يمكن أن ينجح إذا بقي محصوراً في توازنات السلطة، من دون أن يمتلك عمقاً طائفياً وأهلياً يمنحه الاستمرارية.
اللقاء ناقص التمثيل
لا بد من الإقرار بأنّ “لقاء معراب 3” جاء في مكانه من حيث التوقيت والمضمون. فهو يحاول أن يعبّر عن لحظة انتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة حلّها، ويطرح عناوين تتصل بجوهر الكيان اللبناني: السيادة، المحاسبة، واحتكار الدولة للقوة.
كما أنّ اللقاء، وإلى حدّ بعيد، حاول محاكاة الصيغة اللبنانية في سعيه إلى جمع مكونات متعددة ضمن إطار واحد، لكنه لم يوفّق. إلا أنّ هذا التماثل يبقى جزئياً وخجولاً، بسبب غياب التمثيل السياسي الشيعي الفاعل. وهذا الغياب ليس تفصيلاً شكلياً، بل ثغرة بنيوية، لأنّ أي مشروع لإعادة بناء الدولة في لبنان لا يمكن أن يكتمل من دون مشاركة فعلية لكل مكوناته، ومنهم الشيعة، جماعة وأحزاباً.
إذا كان اللقاء سمّى “الحزب” مختزلاً كامل الطائفة الشيعية التي غابت منذ أربعة عقود عن لبنان الفكرة، وأخذها “الحزب” منذ شهر إلى حرب تتصل اتصالاً وثيقاً بالحرب الإيرانية مع الولايات المُتحدة وإسرائيل، إلا أنّ هذا لا يُبطل أهمية اللقاء، بل يضعه في سياقه الواقعي: محاولة متقدمة ضمن شروط ناقصة. فالمعضلة لا تكمن فقط في غياب التمثيل، بل في طبيعة الهيمنة السياسية داخل البيئة الشيعية نفسها، حيث يحدّ “الحزب” من إمكان نشوء تعددية سياسية حقيقية.
السلاح خارج الدولة: من وظيفة إلى بنية موازية
تصل الأزمة اللبنانية إلى ذروتها عند مسألة السلاح خارج الدولة، وهذا ما عاينه المجتمعون. فهذه القضية لم تعد مجرد خلاف سياسي، بل أصبحت تعبيراً عن ازدواجية بنيوية داخل الكيان نفسه. فالدولة، في تعريفها الكلاسيكي، تحتكر العنف المشروع، وأي خروج عن هذه القاعدة يعني وجود سيادتين، حتى لو جرى تبرير ذلك بخطابات “المقاومة” أو “التوازن” مع العدو الإسرائيلي.
لا بدّ من نقد واضح لدور “الحزب” الذي لم يعد مجرد فاعل داخلي، بل تحوّل إلى بنية موازية للدولة، تمتلك قرارها العسكري والأمني، وتربط هذا القرار باستراتيجية إقليمية تقودها إيران. هذا الارتباط لا يمكن اختزاله بشعارات، لأنه يعني عملياً أنّ لبنان لم يعد يملك سيطرة كاملة على قراره السيادي.
إيران، بدورها، تتعامل مع لبنان كجزء من منظومة نفوذ، لا كدولة مستقلة. وهذا ما يجعل الكلفة مضاعفة: لبنان لا يدفع فقط ثمن ضعفه الداخلي، بل أيضاً ثمن موقعه في صراعات لا تخصه مباشرة، وهذا ما حاول “لقاء معراب 3” أن يعاينه سياسياً، ومن داخل الصيغة اللبنانية التي تتكىء على توازن الطوائف.
الأزمة البنيوية وأسطورة الحرب الأهلية
الحرب الأخيرة، التي فُرضت على لبنان من دون قرار من دولته، شكّلت لحظة كاشفة. فهي لم تُظهر فقط هشاشة البنية العسكرية للدولة، بل كشفت أيضاً حدود العقد السياسي القائم. فحين يُزج بلد في مواجهة مدمّرة من دون قرار مؤسساته، يصبح السؤال ليس عن نتائج الحرب، بل عن معنى الدولة نفسها.
في هذا السياق، يكتسب طرح المحاسبة الذي أشار إليه لقاء “معراب 3” أهمية خاصة. فالدعوة إلى مسارات قانونية، داخلية أو دولية، ليست مجرد مطلب سياسي، بل محاولة لإعادة إدخال الفعل العسكري الذي قام به “الحزب” ضمن منطق المسؤولية. أي نقل لبنان من حالة الإفلات الدائم من المحاسبة إلى دولة يُسأل فيها من يقرر الحرب عن نتائجها.
من أبرز أدوات تثبيت هذا الواقع، التلويح المستمر بشبح الحرب الأهلية. هذه الآلية، المعروفة في علم الاجتماع السياسي، تقوم على تحويل الخوف إلى أداة ضبط تمنع أي تغيير جذري. لكن المفارقة أنّ هذا الخوف نفسه بات أحد مصادر عدم الاستقرار، لأنه يبرر استمرار وضعٍ شاذ يمنع قيام الدولة.
في المقابل، يطرح الخطاب السيادي تصوراً مختلفاً: أنّ السلم الأهلي لا يُبنى على توازن السلاح، بل على وضوح المرجعية. أي أنّ الاستقرار لا يكون نتيجة توازن هش، بل نتيجة خضوع الجميع لقواعد واحدة. وهذا الطرح، رغم بساطته النظرية، يواجه واقعاً معقداً حيث تتداخل البنى الطائفية مع الحسابات الإقليمية.
لبنان بين الدولة والساحة وبين المُمكن والمُؤجل
تتجاوز الأزمة بعدها السياسي لتصبح أزمة تعريف، بحسب بيان “لقاء معراب 3”. فلبنان اليوم منقسم بين تصورين: دولة ذات سيادة، أو ساحة مفتوحة لتقاطع المشاريع. وهذا الانقسام لا ينعكس فقط في السياسة، بل في الاقتصاد والثقافة والوعي العام.
الدولة التي لا تملك قرارها لا تستطيع بناء اقتصاد مستقر، ولا إعادة إنتاج عقد اجتماعي متماسك. كما أنّ الثقافة السياسية نفسها تتعرض لانزياحٍ خطيرٍ، حيث يُعاد تعريف “الوطني” بما يتناسب مع مشاريع تتجاوز الدولة، ويُقدم السلاح كبديل عنها لا كأداة ضمنها.
لا يمكن اختزال “لقاء معراب 3” في كونه محطة سياسية عابرة. هو تعبير عن محاولة جدية لإعادة وضع لبنان على سكة الدولة، ولو ضمن توازنات معقدة ونواقص واضحة. وقد نجح في تشخيص جوهر الأزمة، وفي طرح عناوين تتصل مباشرة بمستقبل الكيان.
في المقابل، تبقى هذه المحاولة محكومة بحدود الواقع: غياب التمثيل الشيعي الفاعل، واستمرار ازدواجية القرار، وتشابك الداخل مع الإقليم. وهذا يعني أنّ الطريق إلى استعادة الدولة لن يكون خطياً، بل مساراً طويلاً من الصراع السياسي وإعادة البناء.
لبنان اليوم لا يقف فقط أمام خيار استعادة الدولة، بل أمام اختبار قدرته على إعادة تعريف نفسه. فإما أن يتحوّل هذا المسار إلى بداية تأسيسية تعيد الاعتبار لفكرة الدولة كمرجعية وحيدة، وإما أن يبقى عالقاً في نموذج “الدولة المؤجلة”، حيث تُدار الأزمات بدل أن تُحل.
عملياً، لا تكمن المعضلة في نقص المبادرات، بل في القدرة على تحويلها إلى وقائع. فالدول لا تُبنى بالخطاب، بل بالقرار. ولبنان، أكثر من أي وقت مضى، لم يعد يحتمل التأجيل.